Get Adobe Flash player

 

اهتمت الصحافة الغربية عموماً والأميركية خصوصاً، الصادرة هذا الأسبوع، بالاستراتيجية الواجب اتّباعها في الحرب الأميركية على ما يسمى «داعش». واحتلت الإجابة عن ملفّ الجبهات وارتباطها وأولوياتها الحيّز الأبرز في النقاشات والافتراضات التي طرحتها الصحافة الغربية. وكان لافتاً في سياق الإجابة عن الاستراتيجية الواجب اتّباعها في حرب أوباما، اللجوء إلى توصيف الحقائق الناشئة على الأرض بما يُظهر استحالة صهرها ضمن استراتيجية موحّدة واضحة المعالم والأهداف، تتضمّن وسائل فعّالة للوصول إلى النهاية التي ترضي صانع القرار الأميركي وحلفاءه بالدرجة الأولى. ولوحظ في هذا السياق ما نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «التحالف يبحث عن استراتيجية مشتركة ضد داعش»، إذ أكدت الصحيفة استناداً إلى الإعلام الأميركي أنّ استقالة وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل جاءت على إثر «الخلاف حول الاستراتيجية الواجب اتباعها في سورية، فوزير الدفاع السابق كان يدعو إلى انخراط أوضح في سورية»، وهو أمر يخالف رغبات البيت الأبيض ورئيس موظفيه دينيس ماكدونو الذي يؤيّد خيار «العراق أولاً».

وتحدث التقرير عن إنشاء قيادة عسكرية جديدة داخل البنتاغون بقيادة الجنرال جيمس تيري، مهمتها «توحيد جهود التحالف في جبهتَيْ الحرب على داعش»، متسائلةً عن مدى نجاعة التغييرات الأخيرة في البنتاغون.

الواضح ممّا سبق أن الخلاف والارتباك هما السِّمتان المسيطرتان على نهج صانع القرار الأميركي في ما يخصّ الاستراتيجية بمفهومها العريض للحرب على «داعش». فعلى رغم إنشاء قيادة عسكرية جديدة داخل هيكليات وزارة الدفاع الأميركية لتوحيد جبهتَيْ الحرب على «داعش»، إلّا أنّ الخلاف بين البيت الأبيض والبنتاغون حول أولوية الجبهات ينسف أيّ جهد لبلورة عمل أميركي متكامل على جبهتَيْ الحرب، هذا أولاً. وثانياً، ما زالت سورية تشكّل العقدة المستعصية التي يحاول صانع القرار الأميركي الهروب من الإجابة عنها، فصحيفة «وول ستريت جورنال» عنونت أحد تقاريرها: «التحالف المعارض لداعش مختلف حول الاستراتيجية في شأن سورية»، إذ إنّ أعضاء التحالف الـ 60 بقيادة الولايات المتحدة والذين يقاتلون «داعش»، «متّحدون وبقوّة» في شأن الاستراتيجية في العراق، ولكنهم «مختلفون في ما يتعلق بسورية». الانقسامات تتفاقم منذ بدء الضربات الجوية في سورية في شهر أيلول، «فالولايات المتحدة تريد فقط توجيه ضربات عسكرية ضدّ متطرّفي داعش، من دون استهداف قوات نظام الأسد، في حين تطالب كلٌّ من تركيا والسعودية باستهداف كل من نظام الأسد وداعش».

إذاً، المشكلة المحيّرة هي سورية، بحسب الكاتب ديفيد أغناتيوس في صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، واستراتيجية التحالف في شأنها غير متناسقة، فالخلافات بين أعضاء التحالف حول دمشق لا تتوقف عند إمكانية الاعتراف الضمنيّ بالدولة السورية الحالية، بل تتعدّاها إلى عقدة قبول التعاون المباشر مع إيران في سورية وهو أمر يقلق كلاً من السعودية وتركيا و«إسرائيل». تلك الدول التي تقبل بالأمر الواقع في العراق على مضض، وتعتبر التقسيم القائم حالياً في هذا البلد العربي أمراً ضامناً بالحدّ الأدنى لاستمرار بعضٍ من نفوذها.

وهنا تقول «لوموند» الفرنسية: «ما زال التعايش الأميركي ـ الإيراني في العراق يجري بشكل جيّد حتى الآن»، لكن في المقلب الآخر، وفي سورية، هذا الأمر مرفوض تماماً. لذلك، نرى أن الإدارة الأمركية وضعت سورية ثانياً، بينما العراق أولاً، ترتيب للأولويات يوسّع من هوة الخلاف بين الحلفاء في الحرب على «داعش»، ويفسح في المجال أمام المحور المقابل للّعب على أوراق الارتباك والتناقض في مواقفهم، وربما هذا ما يفسّر في جزء منه التحرّكات التي تقوم بها الدبلوماسية الروسية لإطلاق حوار سوري ـ سوري في موسكو، إذ يدرك الكرملين أهمية تعزيز أوراق فريق داخل الإدارة في مواجهة الفريق الآخر حتى لو تم الأمر بطريقة غير مباشرة.

(البناء)