بلغة قاطعة قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان «سواء أرادوا أم لا، فسوف يتم تعليم العثمانليجه».

و»العثمانليجه» هي اللغة العثمانية التي كانت مستعملة رسميا في العهد العثماني، وكانت مكتوبة بالأبجدية العربية وبعض الفارسية. وبعد انهيار الدولة في العام 1918، وإعلان الجمهورية في العام 1923، شرع مؤسس الجمهورية مصطفى كمال، الملقب لاحقا بأتاتورك، بالعديد من التدابير الإصلاحية الهادفة إلى انتشال الدولة والمجتمع من التخلف، ونقلها إلى دائرة أكثر تقدما.

غير أن العديد من هذه الإصلاحات اتخذ طابع تصفية المظاهر الإسلامية في المجتمع والدولة. ومن تلك الإصلاحات كانت «ثورة الحرف»، التي أقر البرلمان قانونها في الأول من تشرين الثاني من العام 1928، على أن يبدأ تطبيقها في بداية العام 1929. وهو ما كان.

وهذه الثورة أرادت أن تكون اللغة جزءا من حركة التتريك والتغريب في الوقت نفسه. إذ ان استبدال الأبجدية العربية بأبجدية لاتينية، خليط من الفرنسية وبعض الألمانية، رافقته حملة واسعة لتطهير اللغة التركية من المفردات الأجنبية، وهي بغالبيتها الساحقة مفردات عربية وشيء من الفارسية، والتي كانت تشكل مجتمعة أكثر من 75 في المئة من القاموس اللغوي العثماني. غير أن التخلص من التأثيرات الأجنبية في اللغة لم يكن متيسرا بالكامل، بل يمكن القول انه فشل بحيث لا يزال التأثير العربي على الأقل قوياً جداً في اللغة التركية.

تغيير أتاتورك للأبجدية كان يستهدف ظاهرا تقليص نسبة الأمية في المجتمع التركي والتي كادت تكون مئة في المئة. لكن الأمر كان أبعد من ذلك. إذ ان الأبجدية لم تكن يوما عائقا أمام التقدم ودخول الحداثة.

وإذا كان البعض يستدل باللغة العربية التي لا تزال حية وقوية بفضل أنها لغة القرآن الكريم ولها ظروفها الخاصة، فإن المثال الياباني والصيني خير مثال على عدم علاقة الأبجدية بمسألة التقدم. إذ ان اللغة اليابانية، كما الصينية، هما من أصعب اللغات في العالم وغير متداولتين سوى في بلدي المنشأ. ومع ذلك وجدنا أن اليابان، ومن بعدها الصين، باتتا إحدى أكثر الدول تقدما في العلوم والتكنولوجيا. وبالتالي فإن تغيير الحرف لن يوصل إلى أي هدف.

هذا فضلا عن أن تغيير الحرف في تركيا كاد يتحول إلى إبادة للذاكرة والتراث المكتوب باللغة العثمانية، بحيث يتعذر على الجيل الذي تعلم اللغة بالأبجدية اللاتينية أن يطلع على تراثه، وهو تراث غني وكبير جداً، سواء بكتبه ومخطوطاته أو بوثائقه الرسمية. ولقد حاولت إيران في الثلاثينيات أن تحاكي التجربة الأتاتوركية في تغيير الحرف الفارسي لكن تخلت عن ذلك بسبب معارضة المجتمع والنخب الثقافية.

دعوة اردوغان اليوم ليست الى استبدال الأبجدية اللاتينية الحالية من جديد بالأبجدية العربية في اللغة، فهذا ليست فقط صعبا بل مستحيل، بل هي دعوة إلى أن يتعلم الطلاب الأتراك اللغة العثمانية القديمة في المدارس، بدءا من المرحلة المتوسطة أو الثانوية، تبعا لما يتم الاتفاق عليه، لمدة ساعتين أو ثلاث أو أكثر في الأسبوع.

وقد ووجه هذا الاقتراح، الذي يبدو انه سيأخذ طريقه، بتأييد أو اعتراض فئات مختلفة من المجتمع والمثقفين. وبما أن الموضوع في الأساس لا يتعلق فقط بالجانب التربوي والعلمي فقد اتخذت النقاشات أبعاداً سياسية.

المنطلق أن تغيير أتاتورك للحرف جاء في سياق برنامج سياسي شامل وجذري، وأردوغان اليوم لا يريد من هذا الاقتراح سوى أن يكون جزءا من مشروعه السياسي وفي خدمته.

وإذا كان البعض يتساءل عن طبيعة هذا المشروع فالجواب بات معروفا للقاصي والداني، وهو أن أردوغان يريد إحياء النزعة العثمانية - السلجوقية لبسط الهيمنة التركية على المنطقتين العربية والإسلامية. وهذا المشروع، الذي يسمى العثمانية الجديدة أو بالأحرى «العثماقية» (مزيج كلمتي العثمانية والسلجوقية)، انكشف بالكامل بعد ظهور ما يسمى بالربيع العربي، واعتراف اردوغان بنفسه، فضلا عن عشرات المواقف الأخرى لأحمد داود اوغلو، بأن اهتمامه بالمنطقة ناتج من كونه حفيد العثمانيين والسلاجقة وكونه «بقية الدولة العلية» التي أوصته بهذه المنطقة.

ربما لا يريد اردوغان أن يعود بالعثمانية اللغوية من جديد بديلا للأبجدية اللاتينية، لكنه ليس بعيدا عن هذا الحلم. فكما جاء تغيير الحرف في العام 1928 في سياق مشروع سياسي تغريبي، كذلك لا يمكن اليوم فصل اقتراح اردوغان اللغوي الجديد عن سياق مشروعه «العثماقي» في الهيمنة على المنطقة. وبعد انهيار مشروعه السياسي وتصفير علاقات أنقرة مع جميع الدول الإقليمية والدولية أراد اردوغان أن يعيد إحياء مشروعه، أو إبقاء جذوته مشتعلة، لكن من الداخل هذه المرة باقتراح تعليم اللغة العثمانية في المدارس.

بذلك يمكن، وفق التصور الأردوغاني، تنشئة جيل محارب بثقافة دينية يحل محل الجيل العلماني الذي أنشأه أتاتورك. وفي هذا السياق، ورغم أن تركيا بلد علماني، فإن النظام التعليمي بدأ تغييره قبل سنوات بتعزيز وضع المدارس الدينية والمسماة «معاهد إمام خطيب» والسماح بالانتساب إليها من عمر العاشرة، أي مباشرة بعد انتهاء المرحلة الابتدائية، بما يمكن التلميذ وهو صغير السن من تشرب التربية الدينية. وحتى الآن فإن الإقبال على التعلم في هذه المدارس كان هائلاً، بحيث تخطى عدد طلاب هذه المدارس اليوم المليون، بعدما كان قبل ثلاث سنوات لا يتعدى المئة ألف طالب بل أٌقل. ولو كانت هناك مبان كافية لاستيعاب كل من يريد استكمال دراسته في معاهد «إمام خطيب» لكان الرقم أعلى من ذلك بكثير.

المشروع «العثماقي» في الواقع هو مشروع ايديولوجي بامتياز. لا يمكن للسياسة ان تتقدم وحيدة في حقول الهيمنة، بل هي بحاجة إلى روافد ثقافية ولغوية وفنية (المسلسلات التركية). وهو ما بدأه اردوغان - داود اوغلو حتى قبل «الربيع العربي».

غير أن اقتراح اردوغان سيصطدم بعقبات كثيرة، على الأقل في مراحله الأولى، وهو عدم وجود مختصين باللغة العثمانية أو بمن يعرف الحرف العربي. إذ إن هذه اللغة القديمة موجودة الآن في الجامعات التركية، في أقسام التاريخ والآثار تحديدا. وهي تدرس لمن يمكن أن يتخصص لاحقا في التاريخ العثماني ليتمكن من استخدام المخطوطات والوثائق. أما جدوى تدريسها للطلاب والعامة في المدارس، أو مراكز اللغة الخاصة، فأمر من غير الممكن القطع بجدواه منذ الآن. صحيح انه يمكن أن يتعلمها الطالب كلغة ثانية يستطيع من خلالها «فك الحرف» عن شواهد القبور والكتابات في الجوامع وغيرها من المعالم، لكنه لن يصل إلى مرحلة أن يقرأ كتب التراث العثماني، في وقت يستخدم الأبجدية اللاتينية في حياته العامة والعلمية وفي كل شيء. أي أن العثمانية ستبقى لغة ثانية، بل في ظل الانكليزية مثلا ستبقى لغة ثالثة ورابعة، ولن يستخدمها الفرد سوى في مناسبات محددة، هذا إذا استمر متذكرا لها بعد انتهاء المرحلة الثانوية. فهي لغة باتت مكتوبة، كما اللاتينية، أي غير متداولة شفاهاً بين الناس.

صحيح أن هذه اللغة العثمانية فيها الكثير من المفردات المستخدمة حاليا في اللغة التركية الحديثة، كما الكثير من قواعد النحو والصرف، لكن الحقيقة أيضا أن الكثير من قواعدها اللغوية، كما من مفرداتها، باتت مهملة وأسقطت من اللغة الحالية.

من جديد تتحول تركيا إلى مختبر للهوية الذي جربته ثلاث مرات في أٌقل من قرن، وهذا يعد استخفافا بشعب لم يعثر بعد على من يأخذ بيده إلى الطريق المستقيم ويخرجه من التلاعب بذهنيته وثقافته بعيداً عن المغامرات ومشاريع الهيمنة المستحيلة والوهمية.

(السفير)