Get Adobe Flash player

 

أعلنت الولايات المتحدة عبر بيان رسمي صادر عن وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» أنّ طائرات إيرانية قصفت مواقع لتنظيم «داعش» في العراق، ونقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن نائب وزير الخارجية الإيرانية إبراهيم رحيم بور تأكيده خبر البنتاغون، مؤكداً أنّ «الغرض من الغارات كان الدفاع عن مصالح أصدقائنا في العراق»، و«لم يكن لدينا أيّ تنسيق مع الأميركيين، نسّقنا مع الحكومة العراقية» لكن لم تصدر الحكومة الإيرانية بياناً رسمياً يؤكد شنّ غارات إيرانية ضدّ «داعش»، وعدم الإعلان هو موقف سياسي بذاته ينطوي على عدد من الدلالات.

الدلالة الأولى، أنّ إيران لا تريد تصدّر المواجهة الدائرة الآن في العراق بين الحكومة العراقية مدعومة بالتحالف الدولي، وبين تنظيم «داعش» والتنظيمات الأخرى المتشدّدة التي تناصره وتقاتل إلى جانبه في العراق، لأنّ تصدّر المواجهة من شأنه أن يعزز الجهود التي تبذلها جهات عديدة لتصوير الصراع وكأنه صراع مذهبي، أو صراع موجه في جزء منه ضدّ النفوذ الإيراني المتزايد في العراق وفي المنطقة. ومن المعروف أنّ الكيان الصهيوني، وبعض حكومات الخليج، تتبنّى هذه الأطروحة وكانت تتبناها الولايات المتحدة والحكومات الغربية حتى وقت قريب. وإذا كان لا بدّ من تقديم المساعدة للعراق، الحكومة والجيش، فلتكن هذه المساعدة صامتة وبعيدة عن التداول الإعلامي، ولعلّ هذا هو ما دفع إيران الرسمية إلى التكتم على أيّ دور تقوم به في مكافحة الإرهاب في العراق، باستثناء إبداء الاستعداد لتقديم كلّ دعم مطلوب من أيّ جهة عراقية لتحقيق هذه الغاية. وبديهي أنّ هذه سياسة حكيمة وضرورية لقطع الطريق على الذين يصطادون في الماء العكر.

الدلالة الثانية، أنّ إيران منذ بداية الحرب على «داعش» في العراق، وتشكيل التحالف الدولي، رفضت رفضاً قاطعاً جميع العروض التي قدّمت لها من قبل الولايات المتحدة للمشاركة في التحالف الدولي الذي يحارب «داعش» العراق، وقد أدلى مسؤولون أميركيون على أعلى المستويات بتصريحات تطالب إيران بالمشاركة في التحالف الدولي، وأعلن الإمام علي الخامنئي أنّ الولايات المتحدة وجّهت دعوات إلى إيران للمشاركة في التحالف ولكن إيران رفضت هذه الدعوات، وبديهي أنّ الرفض الإيراني تقف وراءه حسابات سياسية، أولى هذه الحسابات ما جاء في الدلالة الأولى، أيّ أنّ طهران ترى أنه ثمة مصلحة في أن لا تكون من بين الدول المشاركة علناً في الحرب على «داعش» في العراق، لكي لا تمنح التنظيمات الإرهابية والتكفيرية مادة دعائية لتأجيج نار الفتنة المذهبية، وأيضاً لكي لا تعطي أيّ انطباع بأنّ إيران باتت في المعسكر الغربي، فإذا كان تقاطع المصالح في مواجهة التنظيمات الإرهابية يتطلب توجيه الجهود لضرب هذه الجماعات التي تشكل خطراً مشتركاً، فليكن ذلك عبر السير منفردين والضرب بشكل مشترك، وهذا ما يحفظ لكلّ طرف رؤيته وسياقه وأجندته المختلفة عن الآخر، لا سيما أنّ ثمة تعارضاً جذرياً في المصالح والأجندة بين الولايات المتحدة وشركائها وبين إيران.

(البناء)