Get Adobe Flash player

 

أدهشتني تصريحات وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عندما دعا إلى إيقاف تقدم الجيش العربي السوري في حلب، حتى لو إقتضى ذلك من وجهة نظره، القيام بغارات «غامضة» ! يجدر التذكير بأن هذا الوزير نفسه، كان قد علق على وضع ما يسمى بجبهة النصرة في خانة المنظمات الإرهابية، بحسب التصنيف الأميركي، قائلا ان الجبهة المذكورة قامت بعمل جيد في سوريا.

في الحقيقة ليس خافيا أن الحكومات الإٍستعمارية والديمقراطية تلجأ إلى «العمليات الغامضة» كوسيلة إلتفاف على الديمقراطية والقانون. ولكن أن يعلن وزيرٌ عن مثل هذه الأعمال قبل حدوثها، أو عن أن حكومته تدبّر مؤامرة أو قرصنة سرية، سوف تنكر المسؤولية عنها، ذلك يدلّل على أن هذه الحكومة تسلك سياسة إستعمارية. وأن الوزير الفرنسي الذي يكشف عن هذا السر، إنما يبرر الإستعمار والعدوان ويدعي أحقية تقرير مصير الآخرين دون الرجوع إليهم. علما أن الإستعمار في مفهوم الحد الأدنى هو استيلاء على غلال الغير وانتهاك لحقوقهم. بكلام صريح وواضح، إن الإستعماريين متوحشون وعنصريون.

أتذكر في سياق الحديث عن «العمليات الغامضة»، في ظل شريعة الغاب التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية وأذنابها في أوروبا فرضها على العالم كأساس لدعائم حاكميتها المعولمة. أتذكر المهدي بن بركة المناضل المغربي الأممي ضد الإٍستعمار». اختطف عنصران من الشرطة الفرنسية في 29 تشرين أول 1965، المهدي بن بركة من أمام مقهى ليب في باريس». منذ ذلك الحين لم يعثر على أثر له. هذا نموذج من «العمليات الغامضة». غيض من فيض. نتج عنه إغراق شعوب، في بحور الدماء وتحت ركام الأبنية وفي وحول معسكرات اللاجئين والمنفيين والمُرَحلين.

لقد وضع المهدي بن بركة كل طاقته، وذكائه، في سبيل التحرر الوطني من نير الإستعمار والإمبريالية. يـُختصر موقف بن بركة، ولقد كان رئيس اللجنة التحضيرية لمنظمة التضامن مع شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بالحضِّ على « مساندة حركات التحرر الوطني، وحركة التحرر الوطني الفلسطيني بوجه خاص، تصعيد النضالات بجميع أشكالها ومن ضمنها النضال المسلح، في القارات الثلاث، دعم الثورة الكوبية، رفض القواعد العسكرية الأجنبية، الإعتراض ضد السلاح النووي، مناهضة الأبارتهايد والتمييز العنصري»... العالم الذي كان يحلم به المهدي بن بركة خال من الإستعمار ومن الأمبريالية، ليس من حاجة فيه « للعمليات الغامضة».

تجدر الملاحظة في السياق نفسه إلى أن المهدي بن بركة، أدرك مبكرا (1963) خطورة «استمرار التباعد بين الجماهير من جهة والكادرات السياسية الوطنية من جهة ثانية، الذي يتسبب في تراجع الحراك الثوري، لصالح تدعيم مواقع الإستعمار الجديد».

من البديهي أن تصريحات الوزير الفرنسي في موضوع «العمليات الغامضة» تساوي الإدعاء بفوقية المستعمرين وأحقية وصايتهم على الآخرين. هذا يؤكد أن قبائح الإستعمار تزايدت في هذا الزمان وأن الذين أوكلوا إلى المستعمرين أمر ثورتهم وحريتهم وتقدمهم في أوطانهم، هم كاذبون وكيادون ! من المفيد أن نبدأ من النقطة التي وصل إليها المهدي بن بركة !

(الديار)