صدر عدد من التقارير حول دور الإعلام في تجنيد المتطرّفين الأجانب في الحرب الكونية على سورية، وقد لوحظ في الآونة الأخيرة التركيز على دور الإعلام الغربي أو بالأحرى الدعاية الغربية الجهادية التي فاقت نظيرتها في الدول العربية والإسلامية، وهو ما دفع بهذه الظاهرة إلى واجهة النقاشات حول التطرّف وأسبابه. لكن اتجاهات نقاش هذه الظاهرة ابتعدت عن سؤالين أساسيين، الأول يتعلق بأصل هذه المواقع الجهادية ومنبعها، والثاني يتعلّق بدور الإعلام في تبنّي الروايات مجهولة المصدر التي تروّج للتطرّف، والتي ازدادت في مرحلة ما بعد الربيع الأميركي. وشهد عدد من التحوّلات التي صبّت في معظمها لمصلحة الانخراط في الدعاية المجانية للتنظيمات الجهادية الإرهابية وعلى رأسها تنظيم «داعش».

وللإجابة عن هذين السؤالين تجدر العودة إلى تقرير نشر عام 2010 في بدايات الربيع الأميركي عن الدور الغربي الخفي في دعم الشبكات الجهادية على مواقع التواصل الاجتماعي. وبحسب مركز أبحاث «كويليام»، وهو المؤسسة البحثية الأولى لمكافحة التطرّف والتيارات الأصولية، والتي يديرها ماجد نواز الباكستاني المنشق عن حزب التحرير، «فإن غالبية المواقع الجهادية تتخذ من بريطانيا مقرّاً لها، فموقع الفلوجة على سبيل المثال، وهو موقع ناطق بالعربية يبث من بريطانيا، يعد أبرز منابر الجهاديين الأكثر تطرّفاً ودموية، ويزوره أكثر من 60 ألف شخص أسبوعياً، ويشيد بالتفجيرات الانتحارية، ويحرّض على العنف والكراهية ضدّ الشيعة العراقيين واليهود والغربيين».

وفي موازاة هذا التقرير، نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تقريراً قبل يومين حول قناة تلفزيونية فرنسية تدعى «19 HH» تعتبر بحسب مركز الوقاية من التطرّف الإسلامي «أحد أهم روافد التطرّف الذاتي»، وظهر عليها سلسلة أفلام وثائقية للفرنسي السنغالي عمر ديابي البالغ من العمر 39 سنة، «والمسؤول عن تجنيد 19 إرهابياً كانت لهم مساهماتهم في أحداث الحادي عشر من أيلول». وبحسب الصحيفة «فإن مقاطع الفيديو التي تبثّ تحت ستارة الأفلام الوثائقية، تظهر عجز المسلمين ومشاهد قتل رجالهم وأطفالهم ونسائهم، بما يدفع باقي المسلمين لضرورة الدفاع عنهم كواجب مقدس». وبحسب مركز الوقاية من التطرّف الإسلامي فإن «العشرات من الجهاديين في سورية تأثروا بهذه الأفلام المسؤولة بدورها عن 80 في المئة من حالات التطرّف في أوروبا».

لقد حدث تحوّل جذري في طبيعة التطرّف الإسلامي ووسائل عمله بعد الربيع الأميركي، ما أدّى إلى تحرك بعض النخب الغربية لإبراز الدور الخطِر الذي تلعبه القنوات التلفزيونية والمواقع الإكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي. أمرٌ لا يقترن بتحركٍ جادٍ من جانب الحكومات الغربية لمعالجة ظاهرة الجهاديين، لا بل على العكس تقوم معظم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة بالترويج الأعمى للتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم ما يسمى «داعش»، من دون التحقق من هوية المصدر الذي يبث أولاً، وصحة التسجيلات ثانياً، كما يعتمد ما يبث على التقارير ومقاطع الفيديو والبيانات الموجهة من جانب التنظيمات الإرهابية والتي تدير لعبة الإعلام بذكاء مع وجود مئات القنوات والصحف الغربية الجاهزة لبث الدعاية والإعلان للمواقع الإلكترونية المتطرّفة، وثالثاً تجدر الملاحظة أن التغطية المكثفة لأخبار هذه التنظيمات لا تقترن بنشاط إعلامي صحافي مستقل مبنيّ على تقارير خاصة، بل ما يجري العمل عليه هو نقل تقارير موجّهة ومترجمة على الأغلب من وكالات الأنباء من دون محاولة تحليل محتوى الخبر، ولنا في حالة «العرض العسكري الكبير لداعش في الرقة» بعد الاستيلاء على الموصل العراقية خير مثال، فالأسلحة التي ظهرت في مقطع الفيديو لا تتعدى آليتين أو ثلاث وصاروخاً قيل أنه صاروخ أرض ـ أرض، ومع ذلك وصفت كافة الصحف والمواقع الإعلامية والقنوات التلفزيونية ما جرى بأنه «عرضٌ عسكري كبير».

إن التركيز على صورة المنتصر والترويج الأعمى لما يبثه يساهم بشكل كبير في عمليات التجنيد التي نشهدها اليوم والتي يبدو أنها مستمرة بقرار غربي رسمي لتدمير الشرق الأوسط، وإفراغ بيئة الأدلجة الغربية من منتجات صناعة الإرهاب والتطرّف تحت ستارة اللجوء الإنساني، وفي هذا السياق نشرت «غارديان» البريطانية في الشهر الثامن من السنة الحالية تصريحات للسير ريتشارد ديرلوف المدير السابق لجهاز الاستخبارات البريطانية الخارجية «إم أي 6» قال فيها «إن الحكومة البريطانية والإعلام البريطاني يبالغان في إعطاء الأهمية لقضية الإرهاب وهو ما منح المتطرّفين البريطانيين شهرةً جاءت بنتائج عكسية».

(البناء)