غريبةٌ ومذهلة هي ظاهرة الإقبال على الموت في ساحات العنف الأعمى العربية والإسلاميـة. «الانتحاريون» أو «الإستشهاديون»، سمِّهم ما تشاء، يختارون الموت بطيبة خاطر، أكاد أقول بفرح، وبأعداد متزايدة، ولأسباب يبدو بعضها جليلاً وبعضها الآخر سخيفاً وأحياناً دنيئاً. وثمة بينهـم مَن يقطع مسافات شاسعة ليصل إلى الساحة حيث الغاية التـي يطيب له الموت من أجلها. بفعلته تصبح الحياة رخيصة والموت ثميناً.

لا جدال في أن من يبذل حياته في قتال جيش عدو ومحتل شهيد، وأن شهادته عطاء مطلق بلا أجر. لكن، ما وصْـفُ من يفجّر نفسه بين مصلّين في مسجدٍ ينتمون إلى غير مذهبه، أو حتى إلى مذهبه؟

يقول البعض: هذا انتحار وليس شهادة. يعترض البعض الآخر: بل هو شهادة، لأن الشهيد موقن في قرارة نفسه، ومن ورائه شيخه وراعيه، أنه بشهادته ذاهب إلى الجنة.

حول هذه الظاهرة العجيبة الغريبة، ثمة ملاحظات ثلاث:

الملاحظة الأولى أن الحياة أضحت، من حيث القيمة، مساوية للموت في مفهوم من يسترخصها، بل ربما أدنى منه. الحياة أضحت من المِثْليات، وبديلُ مِثْلها هو الموت. والحال أن ثمة قاعدة راسخة في الحياة هي أن يضحي الإنسان بالرخيص من أجل نيل الثمين. أما عندما يفعل العكس، فيصبح للقاعدة عندئذٍ استثناء يستثير العجب ويستوجب الفحص والتدقيق.

فـي ساحات العنف الأعمى، كما في العراق وسورية وليبيا واليمن وأفغانستان والصومال وباكستان، يكاد الاستثناء يصبح قاعدة. هذا يعني أن الحياة، في مفهوم من يضحّون بأنفسهم، قد أضحت بلا قيمة بل أدنى من الموت. إذا كان الأمر كذلك، هل السبب تدني قيمة الحياة ذاتها أم لجوء صاحبها المضحي بها إلى معيار خاص، جديد، ومختلف في تقويم قيمتها؟

الملاحظة الثانية أن ثمة أسباباً تدفع الإنسان إلى التضحية بحياته. في هذا المجال، يمكن تنسيب الأسباب إلى فئتين: الأولى مادية والثانية نفسية وأيديولوجية.

في الفئة الأولى تبرز عوامل الفقر والحاجة ومفاعيل المرض العضال. في الفئة الثانية تبرز عوامل الانهيار النفسي والإيمان الديني والنزوع الوجداني إلى تحقيق أحلام وأهداف عليا لخير الجماعة والأمة والوطن.

سواء كان السبب في تضحية الإنسان بحياته ينتمي إلى الفئة الأولى أو إلى الثانية، فإن الحياة في مفهوم صاحبها المضحي بها تكون قد أضحت مساوية للموت أو، ربما، أدنى منه.

الملاحظة الثالثة أن استشراء ظاهرة التضحية بالحياة في عالم العرب والمسلمين يؤدي إلى اتساع ظاهرة «التمويت» أو صناعة الموت. ذلك يؤدي بدوره إلى إضعاف شروط تنظيم الحياة، العامة والخاصة، بل إلى إحداث انقلاب في قوانين الاجتماع البشري والحضارة الإنسانية. فالقاعدة البديهية الراسخة في الاجتماع البشري وفي شروط تنظيم المجتمع وإدارته هي تمسّك الإنسان بالحياة، وتشبثه بها، ودفاعه «المستميت» عنها. وهو في ذلك إنما يمارس فعل إرادة ذاتية نابعة من عمق وجوده. لكن مع استشراء ظاهرة التضحية بالنفس، بسهولة وخفة ولأسباب تبدو بالمنطق السليم غير مهمة أو غير معقولة، فإن قدرة المجتمع، بسلطاته جميعاً، على السيطرة والتوازن والإنتاج تصبح ضعيفة ومتراخية حتى حدود الشلل.

إلـى ذلك، يتخلخل مع استشراء ظاهرة الإقبال علـى الموت سُلّم القيم الإنسانية المتعارَف عليها، أي القيم «التقليدية» التي رعت ازدهار الدول وانهيارها وصعود الحضارات وانحدارها.

قد يقول قائل: إن القادة والمرشدين والفقهاء والعلماء متعهدي تربية وتوجيه وتدريب وإدارة الاستشهاديين والانتحاريين قادرون على الاحتفاظ بسلطة السيطرة على هؤلاء، وأن الأمر لن يفلت من أيديهم، ولا خوف تالياً على الحضارة المعاصرة من خطر الانهيار. لكن، ألم نرَ ما آل إليه أمر «المجاهدين الأفغان» من مختلف الجنسيات؟ لقد عادوا إلى أوطانهم الأصلية وغيّروا أهدافهم وطوروا سلوكياتهم ودشنوا مرحلة جديدة في صناعة الموت تختلف جداً عن سابقتها الذاوية.

لا أقصد في كل ما أسلفت قوله الاستشهاديين من أبطال المقاومة. هؤلاء يعرفون لماذا ومتى وكيف يضحون بأنفسهم من أجل القضية أو الغاية أو المبادئ العليا التي تساوي، في نظرهم، وجودَهم. أقصد فقط جماعات العنف الأعمى، ومن ضمنهم تنظيمات الإرهاب بمختلف أنواعه وأدواته، المفتقرين غالباً إلى قيم عليا ومبادئ نبيلة وأهداف مرحلية تندرج في نهج جهادي أو مشروع سياسي. إن ممارسة هؤلاء للعنف الأعمى أدت وتؤدي إلى فواجع ومآسٍ وكوارث. الدليل؟ انظروا إلى «نتاج» هؤلاء في العراق وسورية وليبيا واليمن حيث حوّلوا بلدانهم ساحات لمقتلةٍ تُزهق فيها يومياً أرواح مئات الأبرياء، وجلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ.

أكثر من ذلك، أدت ممارسة هذا الطراز من صناعة الموت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي على نحوٍ مفجع. فالعشيرة الواحدة في العراق وليبيا واليمن تشظّت إلى جماعات عدة تعتنق عقائد شتى متصادمة، وتنخرط في خدمة جهات سياسية متناقضة. ومنظمة «القاعدة» أصبحت لها أذرعة متنافسة وأمراء متناحرون.

الأنكى من هذا كله أن كلاًّ من المنظمات والجماعات التي تمارس العنف الأعمى يُتهَم أو يَتهِم الآخر بالتعامل مع دولة إقليمية أو مع الولايات المتحدة الأميركية من دون أن يكلّف نفسه عناء نقد تجربته الذاتية. ينتج من هذه الحال الشديدة الاضطراب فوضى عارمة تعصف بالبلاد والعباد وتضع الجميع على شفا كارثة عاتية.

لا شك في أن للولايات المتحدة و«إسرائيل» دوراً في التأزيم والتأجيج والتفريق والتقسيم، ومع ذلك فإن الدرس الأساس المستفاد من كل ما جرى ويجري أن أميركا و«إسرائيل» هما المستفيد الرئيس من الفوضى المستفحلة. فقد حققتا خمسةً من جملة أغراض تتوخى تأجيج الفِتَن والحروب في عالم العرب:

تدمير العمران بشراً وشجراً وحجراً.

تعطيل صناعة النفط بحيث أصبحت عائداتها المخفوضة مستغرَقة في إعادة التعمير والبناء بالدرجة الأولى.

تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات: كردي وسنّي وشيعي.

تمزيق النسيج الاجتماعي في العراق وسورية وليبيا واليمن.

تدمير قطاع غزة وتقتيل آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني.

ذلك كله أدى ويؤدي إلى مزيد من التفتيت وبالتالي يخدم «إسرائيل» ويدعم مخططها التوسعي.

كيف السبيل للخروج من هذه المحنة؟

أرى أن للقوى الوطنية والاجتماعية الحية دوراً رئيساً في التصدي للتفكير التكفيري، وللفاشية الدينية الإرهابية، وفي فضح تحالف بعض الفئات الحاكمة مع تنظيمات العنف الأعمى. كما أن لها دوراً في تفعيل العمل الشعبي الديمقراطي وتصويب حركته السياسية، واستنهاض المجتمع المدني، وتوحيد القوى الوطنية والاجتماعية في مسار النضال من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية.

هل يستيقظ العرب الأحياء قبل أن يسود صنّاع الموت؟

(البناء)