Get Adobe Flash player

في الخامس من أيار من العام 2012 ، كتبت في ورقة بحثية نشرتها في حينه ، بأن الجيوش العربية ، هي إحدى عناصر البازل الصهيوأمريكي في المنطقة ، إضافة إلى عنصري الدولة والجماهير ( الشعب ) ، والتي جزمت يومها ، بأن هذه العناصر الثلاث ، ستكون ضمن العين الإستخباراتية الأمريكوصهيونية ، والتي ستبدأ بالعبث بها ، لتصل بها إلى مرحلة من التفكك والإنحلال والتصادم ، تمهيداً للفرز الذي سيعصف بها ، وعلى مستويات متعددة ... وكان في طليعتها المستوى الطائفي والمذهبي البغيض .. حيث جاءت تحت عنوان ( النيو بازل الصهيوأمريكي في الجيوبوليتيك العربي والإسلامي ) .

للأسف الشديد لم يتأخر الصهاينة ومعهم الأمريكيين في مرحلة التنفيذ ، لما خططوا له لهذه المكونات الثلاث ، فلقد فعلوا الأفاعيل بالجماهير ( سواء الثورية أو المثوّرة ) على حد سواء .. إن في ليبيا واليمن ومصر وسوريا والعراق ولبنان ، وحتى في تونس ( والتي نتوقع أن تكون الجماهير وباقي العناصر الأخرى في هذه الدولة الأخيرة ، مع باقي بلاد المغرب العربي على اللائحة الصهيوأمريكية التالية ، ولأسباب ليس مقام تبيانها الأن )

منذ ذاك التاريخ ، بدأت تظهر في تلك الدول علامات التصارع والتقاتل والإحتراب بين مجموعات وازنة من الشعوب العربية القطرية ، والتي كانت حتى الأمس القريب تعيش هموماً مشتركة ، إن لجهة ظلم بعض الحكام ، وفساد الطبقة السياسية الحاكمة لها داخل كل دولة ...أو لجهة وحدة البوصلة الفلسطينية الجامعة لهم ، وبكافة تلاوينهم ... إلا ّ أن هذه الشرائح المجتمعية سرعان ما انحرفت ، وحُرفت عن كل ذلك نحو بوصلة جديدة ... بعيدة كل البعد عن تلك الجامعة لهم في زمن ما قبل " الربيع العربي " ، وهي كذلك لغاية الأن مع الأسف الشديد !!!!

هذا على صعيد الشعب ، أما على صعيد الدولة ، فلقد ذكرنا في تلك الورقة ، بأن الصهاينة قد وضعوا هذا المكوّن على مائدة التشريح البحثي لديهم ، ليبشروا بعدها بدولة عربية جديدة مبنية على فرز ديموغرافي وجغرافي على أساس " التجانس المذهبي " وليس التجانس السياسي !!! ، وقد رشحوا - أي الباحثين الصهاينة - كل من سوريا والعراق ، وباقي الدول التي يغلب عليها عدم التجانس الطائفي بداخلها ، إلى أنها ستؤول نحو التفكك والفرز الديموغرافي والجغرافي ... أما باقي الدول التي يغلب عليها التجانس المذهبي ، كليبيا ومصر ، فإنها سيصيبها ضعفٌ في المركز ، وعدم قدرة هذا الأخير على السيطرة على الأطراف ... وهذا مع الأسف الشديد ما تحقق واقعاً اليوم !!!!

لم تنج الجيوش من ذاك المخطط الصهيوني ، والتي لا داعي بتفصيل ما جرى عليها لغاية اليوم ، سواء في سوريا أو مصر والعراق وليبيا ... وحتى أنهم حاولوا مع الجيش اللبناني .. إلا ّ أنهم - وبفعل عوامل متعددة - لم ينجحوا إلى جره إلى حيث ما أرادوا له أن يكون ...

لقد قلناها مراراً وتكراراً ، وضمن عشرات المقالات أو المقابلات ، بأن الإرهاب الذي بُثّٓ ونُفِث في المنطقة ، تستخدمه أمريكا ومعها الكيان الصهيوني ، وبعضٌ من دول التحالف الجديد ضد الإرهاب معهما ، كعاملٍ حيوي ضمن استراتيجياتهم في تأمين مصالحهم من جهة ، وآمنهم القومي من جهة أخرى ...

، لا بد من الإعتراف بأن مشروعهم الذي قطع أشواطاً في المنطقة ، وتحديداً في مربع الدولة ، وما أصابها من تشظي فيما خص جغرافيتها ،سواء لجهة توزع مناطق السيطرة والنفوذ في داخلها ، وتحديداً في كل من سوريا والعراق ،أو لجهة ما يجري حولهما من المبادرات ، الأممية وبعض الدولية منها ، حيث يكون الهدف المعلن منها " محاصرة الإرهاب ومحاربته في العراق " و " محاولة إيجاد حلول سياسية في سورية " .. وهذان الهدفان المعلنان ليسا - لغاية اليوم - سوى حصان طراودة لإكمال مسيرة التفتيت الصهيوأمريكية ، ولكن في إطار البناء هذه المرة ، وليس في إطار الهدم ، كما في المرحلة الأولى ، والتي تحدثنا عنها سابقاً في العام ٢٠١٢ .. فكيف يتم ذلك ؟

فلو استعرضنا أحوال العراق وسوريا تحديداً ، فإننا نجد أنه على الرغم من الإعتراض العراقي المتكرر من جانب السلطات العراقية الرسمية في بغداد ، على نية الولايات المتحدة الأمريكية - وبحجة محاربة الدواعش - بتسليح العشائر العراقية خارج الإطار الرسمي للحكومة العراقية ، وهذا الأمر كنا قد نبهنا إليه في مقالة سابقة لنا ، وذلك من خلال ألية التصدي العراقي ، ضمن العزم الممانع ، لمواجهة العزم التام الأمريكي في الساحة العراقية ... إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن الأخبار تتوالى من واشنطن على أن الوفود العشائرية العراقية تتقاطر إليها ، وذلك طلباً للسلاح خارج إطار الدولة العراقية !!! حيث أن واشنطن لا تزال تهمل كل تلك المناشدات العراقية الرسمية ، بضرورة التنسيق معها حول ذلك ، وقد جرى ذلك معطوفاً على محاولات تركيا تقديم عروضها أيضاً لتدريب أبناء العشائر ، وذلك بعد المجازر التي ارتكبتها داعش بحق بعض من أبنائها ، وذلك في عملٍ بربري مدفوع بقوى استخباراتية ،وذلك لإيجاد العذر لدى هؤلاء بالمطالبة بالتسليح ، ولو على حساب التنسيق مع الدولة العراقية ... 

كنا قد حذرنا في مقالة ( ثلاثيات التهديد وأحزمة الإستنزاف بتاريخ ٢٢ أيلول الماضي ) ، بأن أمريكا والكيان الصهيوني ، واللذان تقاطعت أهدافهما مع تركيا وبعض الدول الخليجية ، فيما خص ضرب الثلاثيات الذهبية في الحزام حول الكيان الصهيوني ، وضرب نماذج حزب الله في هذا الحزام وما خلفه ، قد بدأوا بوضع الخطط العملية لهذه الأهداف ، وخصوصاً فيما كشفته وسائل الإعلام مؤخراً عن نية تركيا تدريب ما يُسمى بجيش الإسلام السني في المنطقة العربية ، وهذا بالتأكيد ليست وجهته الكيان الصهيوني ، إنما تلك النماذج التي ستجد نفسها مضطرة في مواجهته ، وبصبغة مذهبية مقابلة - مع الأسف الشديد ...

لعل الحديث التركي عن اقتراب التوافق مع أمريكا ، حول إقامة " منطقة أمنة " في الشمال السوري ، وذلك ااستعداداً لإسكان اللاجئين السوريين فيها ، وما ذكرناه مسبقاً ، حول استعداد ما يُسمى بالحكومة السورية المعارضة للإنتقال إليها .. وبدء تشكيل ما ذكرناه حول الذراع العسكرية الطائفية لهذا الوليد - الدويلة ، على الأرض السورية ... إضافة إلى وما يجري اليوم ما يشبهه في الغرب العراقي ، والذي تعمل أمريكا على بناء ركيزته العسكرية ، والتي سرعان ما قد تتطور نحو سلطة سياسية ، تطالب بامتيازات معينة ، كمكافأة لها ، نظراً لدورها الأساس في طرد الدواعش من تلك البقعة في الدولة العراقية ..

لا يعني هذا التحليل ، أن محور الممانعة ، من إيران إلى الدولتين المعنيتين ، وصولا ً إلى حزب الله ، ومن خلفهم روسيا ، هم بغافلين عما تحيكه آمريكا وحلفائها في سوريا والعراق ، لذلك بدأ هذا المحور بمواجهة ميدانية عسكرية وسياسية على حد سواء ، فمن الناحية العسكرية قامت سوريا بالإلتفاف على المبادرة - الفخ التي حملها دي مستورا إلى دمشق ، وذلك فيما سمي بتجميد النزاع في حلب ، بحيث أن تلك المبادرة لم تمنع الجيش السوري من إكمال الطوق على مدينة حلب ، وإفشال هجوم الإرهابيين على مدينتي نبل والزهراء ، والتي كان من أهدافها العبث بالخارطة الميدانية ، والتي هي لصالح الدولة السورية في الشمال الأن ، وقد تزامن ذلك مع حراك روسي جديد ، لبحث سبل إحياء الحوار السوري - السوري ، وذلك بناء على توسيع قاعدة المعارضة المشاركة في هذا الحوار ، وذلك على اساس بنود جنيف ١ ، بعد محاولة جسر الفجوات بين الفهم الخاص لها لدى كل طرف ...

ليس صدفة هذا الحراك السياسي المستجد ، لروسيا في لحظة تاريخية مفصلية تمر بها سوريا ، وذلك يهدف إلى سحب البساط من تحت أرجل المشاريع المشبوهة التي تخطط لها أمريكا وحلفائها في المنطقة على الأرض السورية .

هذا لا يعني أيضاً ، بأن العراق متروك لمصيره ، فيما تخطط له أمريكا ، فإيران بوجهيها العسكري والسياسي ، يعملان على قدم وساق في إفشال التخطيط الأمريكي الذي أشرنا إليه سابقاً ، وهذا ما يفسر الحراك الإيراني في نفس الميدان العشائري الذي تتحرك به واشنطن ، حيت توالت الأنباء عن زيارات لوفود عشائرية إلى إيران طلباً للسلاح ، بحيث أن هذا يُعطّل على واشنطن إيجاد تكتل عشائري صلب ، يمكن له أن ينفذ مشاريعها التفتيتية للعراق في وقت لاحق ... هذا دون أن ننسى السعي العراقي الحثيث لصهر كل تلك المكونات العسكرية الشعبية ، سواء من الجنوب أو الوسط والغرب ، ضمن بوتقة واحدة ، تتبع مباشرة لإمرة القيادة العسكرية المركزية للجيش العراقي ...

خلاصة القول ، عنوان المرحلة في القادم من الأيام ، هو صراع خفي- علني بين مشروعين مركزيين في المنطقة ، وهما مشروع إعادة اللحمة إلى الدولة القطرية على كامل ترابها ، ومشروع بناء الدويلات المتناحرة ضمن ما سيتبقى من هذه الدولة ...بحيث أن قيام أحدهما وإخفاق الأخر ، سيكون له أثرٌ وثقلٌ فعّال على وجه المنطقة السياسي ضمن النظام العالمي الجديد ، والذي نعيش ألام مخاض ولادته على الأرض العربية مع الأسف الشديد .