Get Adobe Flash player

 

رأى الكثيرون في إعلان زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان انه يمكن التوصل إلى حل خلال أربعة إلى خمسة أشهر تطوراً مهماً في مسار المسألة الكردية.

غير أن هؤلاء لم ينظروا سوى إلى القسم الأول من عبارة «لا إله..». إذ ان أوجلان كان واضحا في أنه إذا التزمت الدولة التركية بما يمكن أن يسمى «خريطة طريق»، التي وضعها هو بنفسه، فيمكن إعلان الحل بعد أربعة أو خمسة أشهر.

لكن «مشروع أوجلان»، الذي قدم نسخة منه إلى وفد «حزب الشعوب الديموقراطية» الكردي الذي زاره في معتقله في ايمرالي، والذي ينتظر أن تسلم نسخة منه إلى قيادة الحزب في جبل قنديل، لا يمكن أن يفضي إلى أي أمل بالحل خلال هذه الفترة.

المشروع المؤلف من أربعة عناوين، وفيه شروحات تاريخية عن العلاقات التركية - الكردية ومستقبل المنطقة، يختصر بعنوانين أساسيين: منح الحكم الذاتي، ولو تحت مسميات أخرى، لأكراد تركيا، والتعليم باللغة الأم وإدراج ذلك في الدستور والقوانين، بما هو ضمانة دستورية للاعتراف بالهوية الكردية وجعلها ملزمة للجميع، من الأتراك قبل الأكراد، وعدم لجوء أحد إلى إنكار ذلك بعد تشريعه.

وفي مقابل ذلك تهون كل شروط الدولة التركية، وأولها إعلان التخلي عن العنف وترك السلاح، بل نزعه من الأكراد، وتحول «حزب العمال الكردستاني» إلى حركة سياسية، ومن بعدها إطلاق سراح أوجلان.

مشروع زعيم «الكردستاني» واضح، لكن رد الدولة التركية، ليس فقط غير واضح، بل تملأه الشكوك العميقة.

ففي حزيران المقبل تجري الانتخابات النيابية العامة في تركيا، وهي الأولى في عهد أحمد داود اوغلو، كرئيس لـ»حزب العدالة والتنمية» وللحكومة، وهي الأخيرة في سلسلة الانتخابات الرئاسية والبلدية، بحيث لن تحدث أية انتخابات من أي نوع حتى العام 2019. أي أن نتائج هذه الانتخابات ستحكم طبيعة العلاقة بين الدولة والحركة الكردية، كما ستحكم سائر الملفات الأخرى. لذا فإن انتخابات العام 2015 تشكل منذ الآن المعيار الذي على أساسه تدور الآن والى حينها المفاوضات بين الدولة وأوجلان. كل شيء مرتبط بموعد الانتخابات. وما لم تستطع الدولة فعله في عشر وعشرين سنة، فهل يمكن أن تحققه خلال أربعة أشهر؟

ماذا يريد أوجلان؟

يرى أوجلان أن كل خطوة يقدم عليها «حزب العمال الكردستاني» يجب أن تقابل بخطوة موازية من الدولة، وهذا ضروري لمنح المفاوضات ثقة تتيح استمرارها، وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. وهنا يبذل أوجلان أقصى ما يمكن من توفير الظروف و»التسهيلات» للدولة لترد بالإيجاب على مبادرته. وهو يرى أن التخلي عن السلاح ووقف العنف، بل تسليم السلاح، مقابل إعطاء الدولة ضمانات دستورية بشأن الهوية الكردية ممكن خلال أربعة أشهر، أي قبل الانتخابات النيابية.

ماذا تريد الدولة؟

في المقابل لا أحد، بمن فيهم أوجلان، يستطيع حتى الآن معرفة ماذا تريد حكومة «حزب العدالة والتنمية». كل ما يتسرب أن الحكومة تعد باتخاذ خطوات دستورية، لكن على قاعدة أن ينفذ الأكراد أولا كل ما يتوجب عليهم، وأولها التخلي عن السلاح وتسليمه. أكثر من ذلك تعد الحكومة، وأيضا بصورة غير قاطعة، بأن تقابل ذلك بالإيجاب لكن بعد انتهاء الانتخابات النيابية.

لكن السؤال: من يضمن بعد ذلك تجاوب الدولة وفي أية عناوين؟ وماذا لو لم يفز «العدالة والتنمية» بغالبية مريحة تتيح له تعديل الدستور في البرلمان؟

هناك من يرى ولا سيما من الأكراد و»حزب العمال الكردستاني» بالذات أن الدولة تراوغ وتماطل. حتى لو فاز «العدالة والتنمية» بغالبية الثلثين فليس من أي ضمانات لتجاوبه. ويقطع هؤلاء بأنه ليس من حل قبل الانتخابات النيابية، أما بعدها فليس أيضا من يضمن الوصول إلى حل. ويربط هؤلاء تشاؤمهم بثلاثة عوامل:

1 ـــ النزعة القومية المتشددة لـ»حزب العدالة والتنمية» التي تجعله يسعى لكسب أصوات القوميين الأتراك بدلا من كسب أصوات الأكراد. أي أن البنية الداخلية للحزب لا تسمح له بالذهاب بعيدا لمنح الأكراد حقوقهم.

٢ ـــ المسار العام للحياة السياسية في تركيا لا يعطي أملاً بحل المسألة الكردية، إذ ان حلها لا بد من أن يكون جزءا من عملية تعزيز الديموقراطية، بينما الاتجاه العام للأحداث في الداخل ينحو إلى مزيد من القمع على كل الأصعدة، فكيف يمكن التوفيق بين هذا وذاك.

٣ ـــ أما إذا أدخلنا العامل الإقليمي الكردي على الخط، ولا سيما في سوريا، فإن من يسعى لتحطيم الحركة الكردية في سوريا، ولا سيما في عين العرب (كوباني) لا يمكن له أن يحتضن المطالب الكردية في الداخل.

تبقى الكرة، وسط كل هذه المعمعة، في الملعب التركي، فهو وحده القادر على العطاء لكنه المتمنع عنه، فيما لا يعرف المدى الذي سيبقى فيه الصبر الكردي مفتوحا على حل أقرب إلى الوهم منه إلى أي شيء آخر.

(السفير)