قال الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد في مقابلة مع صحيفة «باريس ماتش» الفرنسية «إن ضربات التحالف الأميركي، ضربات تجميلية… نحن نخوض المعارك على الأرض ضدّ داعش ولم نشعر بأيّ تغيير، خصوصاً أنّ تركيا تدعم داعش بشكل مباشر»، مضيفاً في معرض ردّه على أحد الأسئلة: «تركيا تدعم التحالف لوجستياً، أما أوروبا فتدعمه سياسياً». وبالتوازي مع ذلك، أعلنت المستشارة الإعلامية والسياسية في رئاسة الجمهورية الدكتورة بثينة شعبان في مقابلة مع الفضائية السورية، أن شخصيات ودبلوماسيين غربيين يزورون سورية أسبوعياً لإعادة سفاراتهم إلى دمشق. كلامٌ جاء في أعقاب منح الدولة الكويتية تأشيرات عمل لثلاثة دبلوماسيين سوريين على أراضيها، في خطوة تعني إعادة فتح السفارة السورية في دولة الكويت والمغلقة منذ شباط 2012. إذ تكتسب هذه الخطوة رمزيةً كبيرة إذا ما لاحظنا أنه لم تُقطَع العلاقات الدبلوماسية بين دمشق والكويت من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكويت بإعادة تفعيلها عمل السفارة السورية على أراضيها، تنضمّ إلى الإمارات وسلطنة عُمان في ترسيخ اعترافها السياسي بشرعية الدولة السورية، باعتبارها المسؤولة عن رعاية مصالح السوريين المقيمين خارج البلاد، وهو أمر من شأنه أن يثبت حقيقتين: الأولى، فشل كافة المحاولات الرامية إلى خلق كيان سياسيّ بديل مقام الدولة السورية. أما الثانية، فانقسام دول مجلس التعاون الخليجي في ما يخصّ مقاربة الأزمة السورية، فنحن اليوم أمام مشهد يُلحَظ فيه جناحان داخل دول مجلس التعاون الخليجي، الأول يضمّ الإمارات وسلطنة عُمان والكويت، والثاني يضمّ السعودية والبحرين وقطر.

إن ما طرحه الرئيس الأسد باعتبار الجيش العربي السوري القوة الوحيدة المقاتلة على الأرض السورية ضدّ التنظيمات الإرهابية المتطرّفة التي يدّعي الغرب محاربته لها في إطار تحالف دولي، ورميه كرة دعم الإرهاب في الملعب التركي تحديداً، يدفع قدماً بملف التحالف الموضوعي الواقعي مع الدولة السورية في محاربة الإرهاب قدماً، ويوجّه رسالة إلى النخب الغربية المؤيدة لهذا التوجه بإمكانية بلورته في سياق شرطٍ لازمٍ وضروري يقوم على الاعتراف السياسي بالدولة السورية باعتبارها مسؤولةً عن قيادة البلاد والعباد، وباعتبارها طرفاً وحيداً مخوّلاً تنسيق العمل على الأرض السورية وتوجيه قيادته. مفهوم بلورته الدبلوماسية السورية منذ مؤتمر «جنيف»، وعكسته تصريحات المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية التي لا تنطق على الهواء، وتمتلك مصداقية تجعل من كلامها مؤثراً وجدّياً وموجّهاً في أكثر من اتجاه إلى صنّاع القرار أوّلاً، وإلى الرأي العام المحليّ والدوليّ ثانياً.

معطياتٌ عدّة تعكس حقيقة وجهة المسارات والنقاشات الدبلوماسية والسياسية القائمة حول شكل المرحلة المقبلة، والتي تقوم على إعادة التطبيع الدولي والإقليمي التدريجيّ مع الدولة السورية، والعمل قدماً على إنضاج الظروف المواتية لإطلاق حوار سوريّ ـ سوريّ في موسكو، هدفه الأساس جمع السوريين تحت مظلّة الدولة السورية، والبدء بحوار سياسيّ يُفضي إلى نتائج مضمونة تتعلّق بشكل النظام السياسيّ، لا بهوية الدولة السورية، تمهيداً لتكريس خريطة الوضع الميداني على الأرض، والذي شهد تغيُّراً كبيراً منذ ما قبل عقد مؤتمر «جنيف 2».

إن استمرار الفوضى الأميركية في سورية، والارتباك الحاصل في مواقف الإدارة من خيارات لفرض أمر واقعٍ جديد تنسف نفسها ذاتياً، لا يغيّران من واقع السياسة والميدان شيئاً. فالجيش العربي السوري يتقدّم في حلب وريف دمشق، والدبلوماسية السورية توظّف هذا الواقع في خدمة نهج العودة إلى الساحتين الدولية والإقليمية، ولنا في خطوة الكويت التي ما كانت لتتمّ لولا قبول أميركيّ، وتراخٍ في القبضة السعودية على القرار الخليجيّ، المثال الأكثر واقعية.

(البناء)