مقالة شبتاي شبيط، رئيس الموساد السابق، «عمى، جنون، مصدر قلق» في صحيفة «هآرتس، ذكرتني بمقابلته في كانون الاول 2012 في «يديعوت احرونوت» حيث اكتشف شبتاي أن فرصة محمود عباس لوراثة ياسر عرفات لقيادة الشعب الفلسطيني تطابق فرصة انتخاب سامري لرئاسة الدولة. لأن عباس إبن الطائفة البهائية، دين وليس طائفة وهي محظورة في الدول العربية ويعتبر المؤمنين بها كفارا. لذلك اذا طردنا عرفات، قال شبيط، فلن يكون هناك من سيدخل الى حذائه. هكذا ايضا سنتخلص من عرفات ومن القضية الفلسطينية التي ستختفي من البرنامج اليومي للمجتمع الدولي.

قمت بلفت نظر شبيط الى أنه اخطأ لأنه حسب الديانة البهائية يُمنع السكن بشكل دائم في ارض اسرائيل أو العمل السياسي ذا الطابع الوطني. المركز البهائي في حيفا قام بنفي أي صلة مع عباس، واستجابت «يديعوت احرونوت» لطلب عباس نشر تصحيح واعتذار. لكن شبيط أصر على موقفه أن عباس هو بهائي ورفض التراجع. ولم يبخل شبيط في حينه باعطاء المعلومات الهامة التي بحوزته لرئيس الحكومة اريئيل شارون، الذي قام بطرد عرفات وهو الذي سيحررنا مرة والى الأبد من المشكلة الفلسطينية.

بعد اربعة اشهر أعلنت الجامعة العربية عن مبادرة السلام التي تقترح على اسرائيل السلام مقابل التطبيع، أي مقابل الانسحاب من الاراضي التي تم احتلالها في 1967، اقامة دولة فلسطينية وحل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين على أساس قرار الامم المتحدة 194. الحكومة الاسرائيلية تجاهلت ذلك، رؤساء «الشباك» والموساد لم يقولوا شيئا وعادوا الى البرنامج اليومي. الجميع كانوا مشغولين بالصراع ضد الارهاب وفي استيعاب نظرية «لا يوجد شريك» وكذبة الحل العسكري للمشكلة الفلسطينية. بعد اعلان المبادرة بـ 12 عاما يقترح شبيط تبنيها كأساس للمحادثات مع الدول العربية المعتدلة، وكوسيلة لوقف التدهور الاعمى والمجنون، على حد قوله، والعودة الى ايام باركوخبا في نضاله للامبراطورية الرومانية والعزلة الدولية.

الوعي المتأخر أفضل من اللامبالاة المتواصلة. شبيط ينضم الى عدد من رجال الامن الذين خلعوا بزاتهم. «أنت تنسحب من الخدمة العسكرية لترى نفسك، وكيف سأقول هذا، يساريا»، اعترف بذلك رئيس «الشباك» السابق يعقوب بيري في برنامج تلفزيوني. ومنذ ذلك الحين يحافظ على الحكومة اليمينية الاخطر في تاريخ اسرائيل، الى جانب خريجة الليكود تسيبي لفني. وصديقه من «الشباك» آفي ديختر الذي ساهم في عدة جمل انتقادية حول الموقف الذي يتعامل مع المشكلة الفلسطينية بالقوة، وسارع الى لينضوي تحت حزب الليكود. يوفال ديسكن، آخر السابقين في جهاز الاحتلال، لم يبتعد كثيرا عن اليمين بقوله إن اليسار «عليل» رغم أنه أعلن أنه لا يريد الدخول الى الحياة السياسية.

يعترفون ويتركون. لكن من يشهد على نفسه، مثل شبيط، أنه منذ تصميمه على رأيه هو يشعر بالقلق تجاه مصير المشروع الصهيوني، يجب عليه أن يُشرك الجمهور بقلقه هذا من الكتلة الكبيرة من التهديدات التي تحلق فوق اسرائيل. الجمهور يعطي أهمية كبيرة وثقة لخريجي الاستخبارات فيما يتعلق بالمسائل السياسية والامنية. الذين كانوا شركاء خلال سنوات طويلة في سياسة الوضع الراهن وتعميق الاحتلال لا يحق لهم انتقاد سياسة الحكومة والاستمرار في حياتهم كالمعتاد. على من يزعم أنه يحافظ على الدولة يجب أن يفتح أعين الجمهور يوميا في وجه عمى السياسيين وأن يحذر في كل مكان من الهاوية التي يجروننا اليها.

هآرتس