Get Adobe Flash player

 

«الثورة لم تعد موجودة»، بهذه الكلمات عنونت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية أحد تقاريرها حول ما جرى يوم السبت الماضي في إحدى قاعات «محاكمة القرن» بحق الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ونجليه جمال وعلاء وسبعة من كبار المسؤولين المصريين بينهم حبيب العادلي وزير الداخلية السابق.

من مصر إلى تونس، تأخذ الأمور منحىً معاكساً لمفاهيم «الثورة» وحيثيّاتها وتداعياتها ونتائجها. نحن اليوم أمام طيٍّ صفحة مرحلة عنوانها الأبرز «الربيع العربي»، إذ لا وجود لثورة بالمعنى الحقيقي، بل عنوان أو اسمٌ درامي ذو دلالات رومانسية تداعب أحلام من كان يظن أنَّ ثورةً ما ستقوده إلى تغيير النظام لا إلى تدمير النظام كما جرى ويجري في الدول التي شملها الربيع الأميركي.

في صيف عام 2011 مثل الرئيس المصري ونجلاه وكبار مساعديه أمام المحكمة، حاولت محطات التلفزة التقاط صورة مبارك وهو طريح الفراش يلبس نظارته الشمسية، صورة أريدَ لها ترسيخ «الثورة» ورسم صورة مشرقة لما هو آتٍ، كما أريدَ لها الدفع بالتغيير بالعدوى إلى أقصى الحدود الممكنة. لكن رياح التغيير جرت عكس الاتجاه، ومع وصول الإخوان إلى حكم مصر، بقي ملف الغاز المصري للكيان الصهيوني على حاله، وبقيت السفارة «الإسرائيلية» مكانها، وخاطب الرئيس الإخواني نظيره «الإسرائيلي» شمعون بيريز بـ«صديقي العزيز»، أما الأنفاق إلى قطاع غزّة فقد شهدت أكبر عملية هدم بمباركة من حماس التي انضوت، بالتزامن مع وصول محمد مرسي إلى سدّة الرئاسة في مصر، تحت لواء التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، والذي احتلّ مكان أولوية القضية وقدسية الأرض، وأصبح الحصار من الماضي. ما تغيّر هو اتجاه «الثورة» من ثورة لإنتاج نظام يحاكي تطلعات الشعب، إلى ثورةٍ دمّرت الدولة المصرية، فلا فرص عمل، والفوضى انتشرت مع عجز قوات الأمن عن التدخل لفرض النظام، هنا تحوّلنا من ثورة ضدّ السلطة القائمة، «Contre pouvoir»، إلى ثورة ضدّ النظام بما يمثله من هيكلية قائمة ومتكاملة مع مفهوم دولة القانون التي تنظم الحقوق والواجبات «Anti pouvoir»، وهو أمر احتاج المصريون والتونسيون إلى أربع سنوات لإدراك حقيقته، ففي تونس احتل الباجي قائد السبسي المركز الأول في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية في مواجهة المنصف المرزوقي المدعوم من حركة «النهضة» التي خسرت بدورها الانتخابات التشريعية التي جرت قبل حوالى شهر، وفي مصر حكمت المحكمة ببراءة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي من تهم تتعلق بقتل المتظاهرين في احتجاجات عام 2011، كما برّأت المحكمة مبارك ونجليه من تهم أخرى تتعلق بالفساد، فيما لا يزال الرئيس المصري الأسبق يواجه حكماً بالسجن ثلاث سنوات في قضية فساد أخرى.

ولحظة النطق بالحكم التقطت الكاميرا صورة لمبارك يبتسم ابتسامة غامضة، فيما قبّل نجلاه جبينه قبل أن يصرّح مبارك لإحدى محطات التلفزة تعليقاً على الحكم قائلاً: «أنا لا أصدر أوامر بقتل المتظاهرين»، صوت وصورة أريدَ لهما أن يمحُوَا صورة رئيس عربيّ سابق يبلغ من العمر 86 سنة دخل قاعة المحكمة للمرة الأولى عام 2011 مستلقياً على سرير، عاجزاً عن الحركة.

وتعليقاً على الحكم قالت «لوفيغارو»: «يوم السبت كانت الضربة الأخيرة للمقصلة بحق الثورة، إذ حكمت محكمة مصرية ببراءة الرئيس السابق من تهم التورط بقتل متظاهرين، كما مُسحت تُهم الفساد». لقد طوى المصريون والتونسيون صفحة الحكم لسابق من مبارك إلى ابن علي، لكن المؤكد أن صفحة الثورة طويت هي الأخرى، فيما يستمر البحث عن مخارج من حالة الفوضى، في الوقت الذي لا يزال فيه الأوروبيون والأميركيون مصرّين على التشكيك في شكل الحكم الجديد في مصر وتونس.

(البناء)