Get Adobe Flash player

 

تسير عمليات تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» - «داعش» في شبه جزيرة سيناء في منحى تصاعدي واضح. كل هجمة تأتي أشد عنفاً من سابقتها.

وقد يكون استهداف سيناء أمراً طبيعياً، لأنها أصبحت منذ أواخر العام الماضي ولاية من ولايات التنظيم التكفيري. غير أن تزامن الهجوم الأخير، يوم أمس، مع بعض التعيينات التي أجراها التنظيم في محافظة حلب، وعين بموجبها اثنين من التيار السلفي الغزي على رأس «ولايته» فيها، بالإضافة إلى الإصدار، الذي نُشر قبل يومين، وحمل تهديداً موجهاً إلى حركة «حماس»، وتوعد غزة بأنها ستصبح معقلاً تابعاً له، يشير إلى أن ما يجري في سيناء قد يكون تنفيذاً لقرار مركزي صادر عن قيادة «الدولة الإسلامية» في الموصل، وليس مجرد مناوشات عادية تأتي في سياق الفعل ورد الفعل بين «جهاديي» سيناء من جهة وبين الجيش المصري من جهة ثانية.

وكان مثيراً للانتباه، أن يقوم «الدولة الإسلامية» بتعيين اثنين من الغزاويين الهاربين من ملاحقة حركة «حماس» في أعلى منصبين في «ولاية حلب» التابعة له، حيث عين أبو منصور الغزاوي «والياً» على حلب، كما عيّن أبو خباب الغزاوي بمنصب «الأمير» الأمني، بحسب ما تناقلته وسائل إعلام فلسطينية قبل حوالي أسبوعين. وينتمي الاثنان إلى جماعة «جند أنصار الله» التي أعلنت «الإمارة الإسلامية» في رفح في العام 2009، قبل أن تحاصرها حركة «حماس» في مسجد ابن تيمية وتقتل زعيمها أبو النور المقدسي وآخرين، واعتقلت عدداً آخر، في حين تمكن العشرات منهم من الهرب. وقد وصل غالبية هؤلاء الهاربين، الذين تقدر أعدادهم بحوالي ستين شخصاً، إلى سوريا أواخر العام 2013 وعلى رأسهم المرافق الشخصي لأبي النور، المعروف باسم أبو كرم، والذي يعتقد أنه قد يكون هو نفسه أبو منصور الغزاوي، لكن لا دليل يثبت ذلك حتى الآن.

وبالرغم من أن «الدولة الإسلامية» لا يضع الجنسيات في حسبانه عند إصدار قرارات تعيين «ولاته» أو «أمرائه»، إلا أن الكثيرين وجدوا في هذا التعيين رسالة واضحة تستهدف «حماس»، وتضع احتمالاً ممكناً بأن الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدتها غزة وحملة الاعتقالات التي رافقتها لعناصر متهمين بالتعاطف مع «داعش» لم تكن سوى الخطوة الأولى لوضع غزة في عين العاصفة.

وما كان مجرد احتمال سرعان ما تحول إلى يقين، بعد نشر «ولاية حلب»، أمس الأول، إصداراً مرئياً ظهر فيه بعض قادة التنظيم، وهم يهددون «حماس» ويتوعدون غزة بأنها ستصبح بحراً من الدماء والأشلاء على غرار ما حدث في مخيم اليرموك في دمشق الذي شهد مواجهات واسعة بين عناصر التنظيم وبين «أكناف بيت المقدس»، التي غالبية قادتها ومقاتليها هم قادة ومقاتلون سابقون في «حماس»، ولكن الحركة تنفي أي علاقة تنظيمية حالية بهم.

وبعد أقل من 24 ساعة على نشر الإصدار، تهتز الأرض في سيناء على وقع أضخم هجوم يشنه مسلحو «ولاية سيناء» التابعة إلى «داعش» ضد مواقع وكمائن الجيش المصري، فهل الأمر مجرد اقتران زمني بين هذه الوقائع أم أنه يستبطن دلالات أخرى؟

في هذا السياق، لا يمكن التغافل عن حقيقة مهمة هي أن العلاقة بين سلفيي غزة وسلفيي سيناء كانت طوال العقود الماضية قوية ومتينة، بدءاً من الانتماء إلى عشائر واحدة ومروراً بالحاجة المتبادلة لبعضهما البعض، خصوصاً حاجة سلفيي غزة إلى الإمدادات من سيناء، وليس انتهاءً بأن غالبية سلفيي غزة تلقوا تدريباتهم على أيدي السيناويين. وهذا يصبح له دلالة أكبر وأوسع مع وصول اثنين من سلفيي غزة لتولي مناصب كبيرة داخل «الدولة الإسلامية». ومن المعروف أن أيّ «والٍ» يصبح تلقائياً عضواً في «مجلس الشورى المركزي» الذي من مهامه اتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بعموم «أراضي الخلافة».

لذلك لم يعد مهماً معرفة هل التركيز الأخير على غزة من قبل «داعش» هو مبادرة من قيادة التنظيم، أم جاءت بإيحاء من «أمرائه الغزيين»، لأن النتيجة واحدة، وهي أن غزة باتت على وشك الدخول في عين العاصفة التي يعدّها لها «داعش».

وبما أن غزة محاصرة ولا طريق إليها إلا من خلال الحدود المصرية، فمن شأن ذلك أن يعطي لسيناء أهمية مزدوجة، فهي من جهة هدف لا غنى عنه بالنسبة للتنظيم التكفيري لأنه يعتبرها إحدى «ولاياته» التي ينبغي أن يفرض سيطرته على كامل أجزائها، ومن جهة ثانية هي طريق إجباري لتقديم الدعم والإمداد إلى سلفيي غزة المتعاطفين مع «داعش» الذين سيحاول من خلالهم تنفيذ تهديداته ضد «حماس» وتحويل غزة إلى بحر من الدماء.

وهذا يتطلب من «داعش» أن يسعى إلى أمر أساسي، وهو منع أي تقارب بين حركة «حماس» وبين السلطات المصرية، لأن مثل هذا التقارب سيجعل منه ضحية سهلة خاصة في غزة، وبالتالي ستذهب مخططاته في الهواء. وفي هذا السياق، يلعب التنظيم عبر «ولاية سيناء» لعبة في منتهى الذكاء، حيث يتعمد أن يقوم بتنفيذ عملياته في توقيت قريب من مناسبة، أو تكون محاطة بملابسات من شأنها إثارة الشبهات حول جماعة «الإخوان المسلمين» التي تُعتبر «حماس» أحد أفرعها. وهذا ما كان في حادثة مقتل القضاة الثلاثة التي جاءت بعد صدور حكم الإعدام ضد الرئيس السابق محمد مرسي وأعوانه، كما أن استهداف النائب العام المصري قبل أيام، والتي لم تتبنها أي جهة، تؤدي التأثير عينه. وكذلك فإن الهجوم الأخير على سيناء جاء غداة الذكرى الأولى لـ «ثورة 30 يونيو» التي يعتبرها «الإخوان» انقلاباً عسكرياً على حكمهم ويصرون على مناهضته.

والغاية من مثل هذه السياسة في تنفيذ العمليات تتمثل في أمرين، الأول، إفشال أي محاولة لحل الخلاف بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وخصومه من «الإخوان» عن طريق الحوار أو عبر تسويات وصفقات معينة، وهذا يعني استمرار حالة اللااستقرار والفوضى التي تعيش مصر في ظلها، وهو أنسب مناخ لنمو «داعش» لذلك يحرص على إبقائه، علاوة على ما يعنيه ذلك من استدامة العداء بين النظام المصري وبين «حماس» بحكم تبعيتها لـ «الإخوان» وبالتالي ضمان عدم تعاونهما ضده. والثاني، محاولة استقطاب مؤيدين جدد للتنظيم التكفيري من أوساط شباب «الإخوان»، لأن العمليات التي ينفذها في توقيت أو ظروف تخدم قضيتهم من حيث الظاهر ستحمل لهؤلاء الشباب رسالة واضحة بأن الطريق إلى تحقيق أهدافهم لن يكون إلا عبر تقوية «داعش» والانضمام إليه أو دعمه.

(السفير)