تتلاحق التطوّرات الميدانية والأمنية في مصر لتضفي بُعداً جديداً على المشهد المتوتّر في الجمهورية التي تحاول أن تتّخذ لنفسها دوراً في ملفات إقليمية وسط تراكم ملفّات داخلية تكبّل قدرة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي على المبادرة.

اغتيال النائب العام في مصر، وانفجار سيارة مفخخة في الشيخ زويد في سيناء أدّى إلى مقتل وجرح عشرات الجنود المصريين، والاشتباكات العنيفة التي تلت عملية التفجير في أكثر من مكان، والرايات السوداء التي ترفرف في بعض مناطق سيناء، جملة من التطورات جاءت على خلفية تثبيت أحكام الإعدام على قيادات الإخوان المسلمين في مصر، بدءاً بالرئيس السابق محمد مرسي، وليس انتهاءً بالمرشد العام للجماعة محمد بديع. وهو ما انتقدته بعض الأقلام الإعلامية العربية قبل الأوروبية والأميركية التي شنّت حملة منسّقة للحديث عن الحرية في مصر، وعودة نظام الحكم التوتاليتاري وممارساته، ما اقتضى تدخلاً تركياً مباشراً من جانب الرئيس الإخواني أردوغان، وحملة إعلامية من جانب قناة الجزيرة القطرية.

لم تنجح محاولات التقريب بين القاهرة وأنقرة برعاية الرياض. ولوحظ تباعد في مواقف الأخيرة من القيادة المصرية على خلفية هذا الملف تحديداً. فضلاً عن محاولات القاهرة أخذ مسافة من الموقف السعودي في الملف السوري وحتى اليمني، وإن كانت المحاولات لا تذكر في ضوء بيان مؤتمر القاهرة لـ«المعارضة السورية»، والذي أعاد تكرار مقرّرات جنيف وفق التفسير المناسب للقوى الإقليمية المعادية للدولة السورية. لكن الأمر الواقع يشي باختلاف الدور المصري عن السعودي والتركي، سواء لجهة التورط الميداني ودعم المجموعات المسلحة، أو لجهة الرهان على تقسيم سورية، سواء رسمياً أو عبر الأمر الواقع الميداني، من دون أن نغفل إنكفاء الجيش المصري عن التدخل العسكري في اليمن، وجملة أمور تستوجب من وجهة نظر الدول الإقليمية الضغط على الرئيس المصري باستخدام كافة الأوراق وأهمها ورقة الإخوان. لكن من الواضح أن ما يواجهه الرئيس المصري في الداخل ليس أمراً عابراً. والتصعيد الإرهابي وعودة الاغتيالات والتزامن في تنفيذ العمليات والاختراق في بنية الأمن المصري ليست هي أيضاً بالأمور العابرة. إذ يجد النظام المصري نفسه في مواجهة جملة معطيات أهمها:

ـ الهجمات الأخيرة على مواقع الجيش المصري في سيناء وفي مدينة الشيخ زويد تحديداً تكشف وجود بنية تحتية للتنظيمات المتطرفة في صحراء سيناء تتجاوز عمل التنظيمات الفتية إلى ما هو أعمق وأكثر تجذراً، وهو ما يعكسه العدد الكبير من الجنود القتلى في الجيش المصري، وطريقة تنفيذ العمليات الأخيرة.

ـ اختراق بنية القوات المسلحة المصرية أو على الأقل بعض الجهزة الأمنية في فترة حكم الإخوان والفوضى التي سبقت وصول التنظيم الإسلامي إلى الحكم.

ـ الانتقال من العمليات الموضعية إلى محاولة السيطرة على بقعة جغرافية مأهولة بعينها، في استنساخٍ لأساليب عمل «داعش» في عدد من الدول العربية، خصوصاً أن تنظيم «أنصار بيت المقدس» الذي أصبح «ولاية سيناء» كان قد بايع تنظيم البغدادي في وقت سابق من السنة الحالية.

ـ عدم القدرة على تجاوز الحالة الإخوانية في مصر في ضوء موقف أميركي لم يعمل على الدفع بملف إنهاء الإخوان المسلمين إلى النهاية، خصوصاً في الداخل المصري. وهو ما أدّى حتى اللحظة إلى عدم مضيّ السيسي قُدماً في تنفيذ أحكام الإعدام بحق قادة الإخوان. فالرئيس الذي اتهم التنظيم بإصدار أوامر قتل المدّعي العام المصري من داخل السجون، كان لزاماً عليه أن يتحرك لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحق قيادات الإخوان في مصر.

ـ ظهور «داعش» في قطاع غزة يحوّل المنطقة بين قطاع غزة ومصر إلى مسرح عمليات يؤسّس لمرحلة مقبلة من التصعيد في ضوء صمتٍ «إسرائيلي»، وموقف مصري ملتبس من الحرب على الإرهاب، لا ارتداد فعلياً له على أرض الواقع.

ممّا لا شك فيه أن خطاب السيسي الرسمي بحاجة إلى ترجمة فعلية على الأرض. وهو بحاجة إلى قرار حاسم لا يبدو الرئيس المصري قادراً على اتخاذه حتى اللحظة.

(البناء)