منذ عام 1957 بدأت مسيرة الاتحاد الأوروبي، بتوقيع اتفاقات اقتصادية متواضعة، بدءاً من تنظيم إنتاج الحديد والصلب. ولكن هذه المسيرة ظلت في صعود، واضعة الحلم بقيام «الولايات الأوروبية المتحدة»، الشعار الذي رفع في مطلع القرن العشرين، موضع التطبيق.

ومنذ ذلك التاريخ، وفي ضوء التقدّم المضطرد في إجراءات الوحدة بين الدول الأوروبية التي وصلت إلى حدود اعتماد عملة واحدة هي اليورو، تراءى لكثيرين أنّ «الاتحاد الأوروبي» كخطوة على طريق «الولايات الأوروبية المتحدة»، شأنه شأن تقدّم العولمة، هو اتجاه التاريخ الذي لا تستطيع أيّ قوة أو تطوّرات أن تلغي مفعوله التقدّمي.

لكن ما يجري الآن بين اليونان وبين دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ومؤسساته المشتركة، إضافة إلى ما تعانيه العولمة من تعثر في ضوء عودة الصراعات الدولية من جديد، ولا سيما بين روسيا والغرب، يشير إلى احتمال انعكاس المسار، أيّ المسار الصاعد للاتحاد الأوروبي باتجاه تحقيق حلم «الولايات الأوروبية المتحدة».

انسحاب اليونان من اليورو ومن ثم من الاتحاد الأوروبي، يعني فشل هذا الاتحاد، أو على الأقلّ، توقف مساره التصاعدي وتحوّله إلى قوة طرد بدلاً من أن يكون قوة جذب كما كان عليه الحال في مسيرته التي تجاوزت العقود الخمسة.

إذا انسحبت اليونان تحت ضغط عجز الاتحاد الأوروبي عن الإسهام في حلّ أزمتها الاقتصادية، فهذا يعني أنّ تقلص الاتحاد بفقدان المزيد من الأعضاء قد بدأ، فليست اليونان وحدها التي تعاني من أزمة اقتصادية حادّة ترفض معالجتها عبر الوصفات التي اعتاد عليها قادة الاتحاد الأوروبي، بل إنّ هناك دولاً أخرى مثل البرتغال وإسبانيا تواجه أزمات مماثلة، وما أن يتمّ خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي ومن اليورو، فإنّ انعكاسات هذا الخروج وتداعياته الاقتصادية، سوف تكون أكثر قوة وأكثر حدة، إذ أن اليورو سوف يشهد تراجعاً كبيراً، وهذا سوف يؤثر على مستوى المعيشة لغالبية الدول الأوروبية، كما أنّ إجمالي الناتج الأوروبي، ومساهمته في الاقتصاد العالمي سوف يتراجع، وسيتراجع الاعتماد على اليورو كوسيلة دفع في التجارة الدولية، التي كانت تحتلّ المرتبة الثانية بعد الدولار، سوف تتأثر، وكلّ ذلك سوف يضغط أكثر، أولاً، في مجموعة دول الجنوب الأوروبي، وتحديداً البرتغال وإسبانيا، وثانياً في دول أوروبا الشرقية التي انضمّت حديثاً إلى الاتحاد الأوروبي، وثالثاً في كلّ من إيطاليا وفرنسا، وإذا ما أخذ بعين الاعتبار أنّ دولاً مثل سويسرا وبريطانيا وبعض الدول الأسكندنافية لم تكن بالأساس جزءاً من مسيرة الاتحاد الأوروبي، ستكون الحصيلة النهائية مزيداً من الضغوط على الاقتصاد الألماني الذي يلعب دور قاطرة الاقتصاد الأوروبي. ومن المعروف أنّ معدلات نمو الاقتصاد الألماني بدأت بالانخفاض متأثرة بالأزمة الاقتصادية العالمية، وأزمة اليونان، ومن ثم فإنّ مزيداً من الضغوط قد تقود إلى رفض الشعب الألماني دفع كلفة الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد الأوروبي، وبالتالي احتمال خروج ألمانيا ذاتها من الاتحاد، وعندها سوف يتفكك الاتحاد ويندثر الحلم الأوروبي. لكن لا زال هذا مجرّد احتمال، قد يكون احتمالاً خطيراً وحتى مرجحاً في ضوء الكثير من العوامل والتطوّرات، ولكن لا يمكن وصفه بالاحتمال الحتميّ.

(البناء)