لا أشارك في هتافات الفرح الصادرة عن المنظمات اليهودية ووسائل الإعلام الأمريكية على المسلسل التلفزيوني المصري «حارة اليهود» فلا توجد صفحة جديدة، ولا توجد اشارات خفية تستهدف «انسنة» صورة يهود مصر على طريق النظر الينا، نحن الاسرائيليين، بعين الايجاب. وهذه ايضا ليست النتيجة، كما يحاولون التلميح، للتعاون الاستراتيجي بين القاهرة وتل ابيب.

ملايين المشاهدين يستقبلون كل ليلة سلسلة قصص حياة في احدى حارات الطبقة الوسطى ـ المتدنية في القاهرة. هنا لامست بيوت المسلمين، المسيحيين الاقباط واليهود، الواحد الاخر، وبين سكان الازقة المكتظة ولد حب ممنوع، صيغة لروميو وجولييت على الطريقة المصرية. ليلى اليهودية الحسناء وعلي الضابط المسلم الذي ينطلق للقتال ضد اسرائيل، يسقط في الاسر ويتعرض للتعذيب والاهانة. ولذات علي اياه يوجد محقق سيء اسرائيلي ومحقق خبيث هو عميل فلسطيني. وفي الحلقة التاسعة من «الحارة» ينجح في الفرار من السجن ويعود إلى الوطن كبطل.

شاهدت على نحو متواصل عشر حلقات من اصل ثلاثين بثت حتى الان. واتاحت الميزانية المعتبر لمنتجي «حارة اليهود» ان يميزوا بين يهود مصر والاسرائيليين. واحد فقط، موسى، يتراكض بين المعسكرين حين يهرب من القاهرة ويهاجر إلى اسرائيل. في محطته الجديدة، وكيف لا، يجعلونه مستوطنا.

تفيد التجربة بان كل مسلسلات رمضان التي عنيت بيهود مصر، أو بحكايات الموساد حظيت بمشاهدة كبيرة. فقصة العميل المزدوج «رافت الهجان»، والجاسوسة الفاشلة في «دموع في عيون وقحة» أصبحت مع السنين نهجا. كما ان «عصابة ناجي عطاالله» عن عصبة الشبان الذين تسللوا لتنفيذ عملية انتقام ضد اسرئيل، سجلت نسبة مشاهدة كبيرة.

حتى قبل أن يبث نصف الحلقات بات الجميع غاضبين على منتجي «حارة اليهود». فلرئيسة الطائفة اليهودية الصغيرة في مصر، ماجدة هارون، هناك شكاوى شديدة على الصورة الاستفزازية لنساء الطائفة وعلى اخطاء تاريخية في استعادة الاحداث ما قبل 67 سنة. والسفارة الاسرائيلية في القاهرة ايضا نشرت بيان خيبة أمل. كنا واثقين، كما كتب دبلوماسي لم يذكر اسمه، بأننا سنحظى أخيرا في أن نرى شيئا ما ايجابيا عن اسرائيل وخاب ظننا.

من هم الغاضبون ايضا؟ المثقفون الذين يحذرون من «علائم التطبيع» والناطقون بلسان الاخوان المسلمين الذين يطالبون برد الاعتبار لمؤسس الحركة، حسن البنا، الذي يعرض، وليس صدفة، كشخصية سخيفة تطلق ايدي العنف لانتهاك سير الحياة في الحارة وهز الحكم. وفي تركيا ايضا غاضبون من «مسلسل التزلف». وحماس في غزة اصدرت امرا بعدم مشاهدة المسلسل «المشوه».

هناك موضوع آخر يزعجني: اللغة البائسة لنجوم «الحارة» ممن يمثلون شخصيات اليهود والاسرائيليين. عبرية عتيقة، اخطاء بلا نهاية، نص مشوش. وحتى في «صوت العرب» في القاهرة تحدثوا بعبرية افضل. فقد كان بوسعهم ان يجندوا واحدا من مئات خريجي دوائر العبرية في الجامعات المصرية، لمراجعة النصوص. فأنت تسمع اللسان المتدحرج لضابط الجيش الاسرائيلي وللحظة تهزأ. وفي اللحظة الثانية تتوق لان تبكي على الاستخفاف، الاغتراب وتفويت الفرصة.

كل اصدقائي في القاهرة يروون لي بانهم يشاهدون «الحارة». وسليلو مصر ممكن كتبوا كتبا تذرف لها الدموع عن صباهم مستعدون لان يقسموا على أنه يوجد هنا احساس متأخر بالذنب عن الطرد الجماعي لليهود. لست واثقة. اما الحنين فقائم. في مصر يطيب لهم ان يحنوا لاوعية اللحوم في عصر الرئيس جمال عبدالناصر.

بعد الجلبة الكبيرة، كان يسعدني أن اسمع ما يفكر به الرئيس السيسي عن المسلسل الرائج. فقد ولد في حارة الجمالية الملاصقة لـ «الحارة»، وفي مناسبة ما روى بصراحة مفاجئة كيف عاش وترعرع في محيط يهود مصر.

يديعوت