Get Adobe Flash player

 

شكلت عودة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش» إلى مدينة عين العرب (كوباني) ضربة مباغتة توزعت أهدافها في أكثر من اتجاه.

وبالرغم من أن هذه الضربة سرقت الأضواء بفعل التجربة السابقة للمدينة المنكوبة، إلا أن المعطيات كافة تشير إلى أن الثقل الحقيقي لمجريات يوم أمس إنما يكمن في العملية العسكرية التي تشهدها مدينة الحسكة، حيث تمكن التنظيم من اقتحام بعض أحيائها للمرة الأولى.

ويأتي هذا الهجوم المزدوج على كل من الحسكة وعين العرب بعد أيام فقط من سيطرة «وحدات حماية الشعب» الكردية، بالتنسيق مع «التحالف الدولي» على مدينة تل أبيض الحدودية مع تركيا، ما أدّى حينئذٍ إلى الربط الجغرافي بين اثنين من كانتونات «الإدارة الذاتية» التي أعلنها «حزب الاتحاد الديموقراطي» مطلع العام الماضي، وهما كانتون الجزيرة وكانتون عين العرب الذي حررته الوحدات من عناصر «داعش» قبل خمسة أشهر.

ولم يكن هذا التطور بالأمر العابر الذي يمكن أن يمر دون أن يخلّف تداعيات تتناسب وحجمه. فقد أثارت سيطرة الأكراد على تل أبيض قلق تركيا، وهي ترى منطقة عازلة (غير التي كانت تسعى إليها) تتشكل بينها وبين الأراضي السورية، راسمةً في الأفق حلم الأكراد القديم بالاستقلال ضمن منطقة حكم ذاتي خاصة بهم، وبالتالي تحجيم دور أنقرة في التأثير في الأحداث السورية من خلال خلق كيان كردي فاصل.

كما أثارت في الوقت ذاته مخاوف التنظيم التكفيري، الذي فقد أحد أهم المعابر الحدودية التي كان يعتمد عليها لإدخال «المقاتلين الأجانب» والأسلحة ولتهريب النفط والآثار وغيرها من المواد إلى الجانب التركي، والأهم هو أن معقله الرئيسي في الرقة بات أقرب من أي وقت مضى إلى دائرة الخطر التي ترسمها «وحدات حماية الشعب» الكردية بتعاون كامل مع طائرات التحالف الدولي.

وبينما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرفع صوته محذراً من هذه التطورات، ومنتقداً ما أسماها سياسة التهجير التي يتبعها الأكراد ضد المكونين العربي والتركماني، بدت كواليس «الدولة الإسلامية» كأنها تردد صدى هذه التصريحات عبر التخطيط في الخفاء لتوجيه ضربة مباغتة تمثل الرد الأنسب على هذه التطورات، فكان الهجوم المزدوج على عين العرب والحسكة.

ولا يغير النفي التركي، الذي يعتبر الأول من نوعه الذي تضطر السلطات التركية إلى إصداره بمثل هذه السرعة لتبرئة نفسها من تهمة التواطؤ مع التنظيم الإرهابي في هجومه الأخير، شيئاً من حقائق الميدان، التي أظهرت بشكل غير مسبوق مدى حجم تشابك المصالح بين أنقرة و «داعش» ومدى حاجة أحدهما للآخر، لدرجة أن الأخير بات يمثل الحصن الوحيد الذي من شأنه أن يمنع تحقيق الحلم الكردي والكابوس التركي.

وكان مكتب حاكم إقليم أورفا أصدر بياناً شدد فيه على أن الاتهامات حول تسلل مجموعات من «داعش» عبرت إلى «كوباني» من تركيا هي «محض أكاذيب. نحن ننفي ذلك بشدة، فهو غير حقيقي». كما اعتبر نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتولموش أن هذه الاتهامات ليست سوى «دعاية مغرضة، وأخبار عارية من الصحة تماماً، ومحض افتراء»، ولكن لم يستطع أيّ من المسؤولين التركيين تفسير كيفية وصول مسلحي «داعش» إلى معبر مرشد نينار حيث استهلوا الهجوم بتفجير انتحاري، فجميع الطرق مغلقة في وجوههم، ما عدا الطريق الآتي من تركيا.

وسواء كان هناك تواطؤ تركي أم مجرد غض طرف، فإن الهجوم المزدوج حمل رسالة مهمة، موجهة في الدرجة الأولى إلى التحالف الدولي بقيادة واشنطن، مفادها أن مخطط إقامة دولة كردية على الحدود السورية – التركية لن يمر، وهناك من هو مستعد لعرقلته. وواضح أن لتركيا مصلحة كبيرة في توجيه مثل هذه الرسالة، واختيار عين العرب (كوباني) بالذات لتوجيه هذه الرسالة أريد منه أن يشكل صفعة مهينة إلى التحالف الدولي، عبر التشكيك بإستراتيجيته والقدرة على إعادته إلى المربع الأول الذي انطلقت لأجله عملياته ضد «داعش» أواخر العام الماضي. وفي هذا السياق لم يكن من قبيل الصدفة أن يأتي الهجوم بعد ساعات من خطاب المتحدث الرسمي باسم «الدولة الإسلامية» أبو محمد العدناني الذي سخر فيه من الرئيس الأميركي باراك أوباما بالقول: «لم نسمع عبر التاريخ من قبل عن نكسة تكتيكية، ولكننا نعدكم في المستقبل، إن شاء الله، بنكسات ونكسات، ومفاجآت إثر مفاجآت».

والرسالة الثانية موجهة إلى «وحدات حماية الشعب» الكردية التي يتهمها التنظيم بعدم القدرة على تحقيق أي إنجاز ضده لولا «التحالف الدولي». فالغاية من الهجوم هو الإثبات للأكراد أن «الدولة الإسلامية» بمقدوره أن يهاجم الأهداف الكردية متى يشاء، بما فيها أهداف مستعصية مثل عين العرب، بالإضافة إلى أن تنفيذ الهجوم، من ثلاثة محاور من الشرق والجنوب والشمال، أوحى بأن مسلحي «داعش» بإمكانهم التحرك بحرية كبيرة نسبياً رغم وجود طائرات التحالف فوقهم في سماء المنطقة.

ورغم أن عين العرب سرقت الأضواء، إلا أن ما يجري في الحسكة يفوقها أهمية من الناحية العسكرية والإستراتيجية، ليس لأنها المرة الأولى التي يتمكن فيها التنظيم التكفيري من اقتحام المدينة والسيطرة على بعض أحيائها منذ بداية الأزمة السورية، فهذا التطور رغم أهميته، لا يشكل إلا أحد العوامل التي تعطي الحسكة أهمية كبيرة.

وتأتي أهمية الحسكة من كونها مدينة يقطن فيها نسيج اجتماعي متنوع، سواء دينياً أو قومياً، فهناك العرب والتركمان والأكراد، وهناك المسيحيون والمسلمون، بالإضافة إلى دور العشائر والقبائل في هذا النسيج، وهو الدور الذي بات «الدولة الإسلامية» يتقن استخدامه لمصلحته، كما أثبتت الوقائع في مدن أخرى مثل دير الزور والرقة. وبالتالي، فإن اقتحام المدينة من قبل «داعش» سيؤدي إلى استنهاض هذه المكونات للبحث عن مصلحتها وحماية وجودها مع ما قد يحمله ذلك من تناقضات بينها، وهو ما تمثل مبدئياً بوقوف الأكراد في المدينة على الحياد تاركين الجيش السوري يتصدى للهجوم وحده (باستثناء بعض الكتائب المتحالفة معه). كما من شأن ذلك أن يثير قلقاً إقليمياً ودولياً، بخصوص الأقليات التي تسكن المدينة، وهو ما يخشى منه أن يشكل ذريعة لتدخل خارجي في المدينة.

(السفير)