«اشتراكات» ايديولوجية عاطفية دينية تخيم على قرى المواجهة المسيحية في البقاع. قرى قُذفت في حضن التطرف المذهبي خلال الحرب الأهلية، بعدما عرف بعضها طعم اليسار، تعود اليوم لتفحص معتقداتها على إيقاع التغيرات الميدانية: فـ«داعش» على الحدود، والجيش والمقاومة يصدّانها، في حين أن الأحزاب المسيحية التي تتنكّب تاريخياً «حماية الوجود المسيحي» لا دور لها. اليوم، يعتقد أهالي تلك القرى بثلاثية تحميهم: الجيش والمقاومة و... «العدرا». ثلاثية تحاول تلك القرى أن تطرد بها شبح التكفيريين المتحول الى «غول» جديد، تخيف به الأمهات صغارهن المشاغبين هناك

على وقع «اللبيد» الذي كان يدوّي خلف التلال، تصل الى قرى المواجهة المسيحية في البقاع. حين نقول القرى المواجهة، نعني تلك القرى المهددة بتسلل أو باقتحام من قبل مجموعات التكفيريين كراس بعلبك والقاع اللتين ذكرهما خصيصاً الأمين العام لحزب الله في خطابه الأخير. حتى وقت قريب، لم تكن راس بعلبك، التي كانت قبل الحرب الأهلية متنوعة حزبياً مع وجود كبير للحزب الشيوعي، خائفة من محتلي الجرود القريبة، أو على الأقل، كانت تحب التظاهر بذلك: «ليلة 2 آب الشهيرة في عرسال، كان عنا عرس براس بعلبك، والعالم عم ترقص وتغني عادي يعني... لا بل كان في ألعاب ضوئية، لدرجة إنو الجيش ترجّانا: إنو بلاها الأضواء يا شباب»، يقول إيلي، أحد شباب المنطقة الذي كان يجول بنا على معالم القرية.

جميلة هي راس بعلبك من هنا، من موقع «ثكنة الإنكليز» العالية المشرفة على المنطقة بكاملها. «لما بيكون الجو صافي، كنا نشوف أوقات مصفاة حمص من هون» يقول. تبدو القرية، متمتعة بحد أدنى من الجمال العمراني، رغم وقوعها في منطقة جرداء. الشجر و»الغازون» مفروش أمام بيوت ازدان بعضها بقرميد، رغم الحالة المادية المتوسطة لأهلها. وقد يكون الفضل في ذلك للري المنظم عبر «سرابات»، أي قنوات تحتية تعود الى أيام الرومان، لا إلى الدولة اللبنانية!

وصلنا الى القرية خلال خطاب السيد. يشير إلينا الشيوعي القديم الأستاذ المتقاعد بطرس رزق بأن نتفضّل، حين ندخل قاعة النادي، ثم يواصل الإصغاء الى الخطاب. يتوافد بعض الأصدقاء الى هنا. «شو كانت أول نقطة؟» نسأل بعدما أنهى السيد كلامه، فيرد سمعان «حكي عن مناورة إسرائيل، بس بتحسّي إنو بخطاب واحد بدّو يردّ على خمس ملايين وسيلة إعلامية. عم يعملوا الأبيض أسود والأسود أبيض. كان مرتاح. قال لن ندخل عرسال».

نسألهم عن أوضاعهم في ظل متغيرات الميدان. يقول بطرس: «رغم خوضنا لكل الحروب، كل أهل الراس قلقون على الأقل مما نسمعه عن انتشار الفكر الداعشي الذي لا يوفر مسلماً أو مسيحياً أو درزياً... هذا العقل البهيمي مخيف ونحن ضيعة معزولة». ثم يضيف بتأنّي من يستمع جيداً ويختار كلماته: «أمامنا الشيء الثاني الجيد في ضيعتنا: هناك تيارات مختلفة، ولكننا كلنا متفقون على حماية أنفسنا من هذا الإرهاب». نسأله: لا فرق من أين أتى المدد؟ يجيب: «أكيد. فلنتكلم بواقعية: عندي مئة ملاحظة على حزب الله كطرف سياسي، ملاحظات تبدأ من الفكر الى الممارسة، لكن الأولوية عندي اليوم هي أني ضد إسرائيل ومع المقاومة، إن كانت إسلامية أو وطنية، وأنا جزء منها (يبدو أن الحزب يعود الى الاشتراك بالمقاومة). في موقف حزب الله ضد الإرهاب نحن معه، وخاصة ان سكان المنطقة بنسبة 90%هم من الشيعة. نحن جغرافياً في عين العاصفة، بالطبع هذا لا يعني أننا ضد عرسال. بالعكس، نحاول جهدنا أن ينتصر في عرسال العقل والوعي الوطني. أن تعود كما كانت».

أهل الراس والقاع ممتعضون من استحواذ عرسال على الاهتمام، فيما آلاف الدونمات من أملاكهم ممنوعة عليهم (هيثم الموسوي)

نسأله «كيف؟» فيجيب: «عبر الكلام والناس اللي منعرفهم، نسعى الى إيجاد تيار غير أبو عجينة والملتحقين بالداعشيين والمستقبل. ونتمنى، إن كان صحيحاً أن المستقبل هو تيار الاعتدال، وأنه حزب رفيق الحريري، فلا يمكن أن يكون ما هو عليه اليوم. ليس هذا هو رفيق الحريري ولا حزبه الذي يغطي الإرهاب. هذا تشويه لذكرى الرجل».

ولكن، من يمثل هذا الكلام هنا في راس بعلبك؟ يجيب: «أعتقد الأغلبية. ربما لا يستطيعون أن يعبّروا كما أفعل». يدخل سمعان على الخط، حين نسأل عن الرأي التالي بالأهمية في القرية: «هناك من يقول إن هناك تهويلاً أكثر من اللزوم في موضوع داعش من قبل حزب الله». وهذا رأي أي فئة؟ يجيب: «من لهم علاقة بالمستقبل أو بالقوات اللبنانية بدرجة أقل». يعلق جرجي: «مسؤول المستقبل عنا بالضيعة، بيحرس معنا بالليل وبالنهار بيحط لايك لقتلى المقاومة! شو بدك أحسن من هيك؟»، يقول ساخراً.

حسناً، وهل يترجم الرأي الأول على الأرض مثلاً بقبول إمدادات سلاح من الحزب من أجل المشاركة في حماية القرية؟ يقول إيلي: «هناك أطراف لها علاقة جيدة مع الحزب». يقاطعه رجل آخر: «تواصل وليس علاقة»، يكمل الشاب الذي يسكن القرية على مدار السنة، «يوم معركة تلة الحمرا جربوا يتسللوا. كنا نسمع دوي الرصاص بالضيعة، ولما قوصوا على الطيارة (التابعة للمقاومة) كان الخرطوش (عيار) اربعة ونص يتساقط عندنا، لذلك نعم كلنا مسلحون، بسلاح فردي بالطبع، وطبعاً في بالنا أنه إن حصل داهم ما، فسيكون الإمداد من الحزب».

امتعاض لا يخفيه أهل راس بعلبك من استحواذ عرسال على الاهتمام الإعلامي برغم تساويهم معها بالمعاناة: «ضجة وإنو عرسال وجرد عرسال، في حين أن راس بعلبك وجردها لا يقلان أهمية وخطراً عنها»، يقول بطرس، ثم يضيف بشيء من الغضب: «أنا بطرس رزق. عندي 100 دونم بالمنطقة المحتلة من داعش والنصرة، كل أهل الراس بيوتهم وطرشهم (مواشيهم) وعشرات آلاف الدونمات من أملاكهم ممنوعة عليهم. ممنوع نطلع أبعد من آخر بيت بالراس. والمؤسف بيطلع مين يقول: ما في شي ع المسيحية! يا عيب الشوم!».

غير بعيد عن النادي، ثلاث نساء من ثلاثة أجيال جلسن أمام بيت إحداهن مستندات الى الحائط: لينا الشابة، الكهلة أم جورج والثمانينية شملكان التي حرصت أم جورج على أن تقول لنا إنها «عزبا مش متجوزة».

وعن أحوال القرية تقول الشابة «هلق بضيعتنا متطمنين، حاسبين حساب إنو بدو يصير شي. يعني إلنا شي شهرين بيقولوا في معركة وداعش بدها تفوت بس ما عم يصير شي».

تتدخل أم جورج كأنما كانت تقول عالياً ما كانت تفكر به صامتة» ابني بالجيش طلعوه ع منطقة رافق (نقطة مواجهة على حدود القاع) مقطوع قلبي». هنا، حيث يبلغ عدد السكان شتاء حوالى ألفي نسمة و6 آلاف صيفاً، كثيرات هن زوجات أو أمهات جنود في الجيش اللبناني. تعود لينا إلى الكلام «امسين، صارت معركة، منسمع سمع إنو الحزب مقبّرهم تقبير (للتكفيريين) يعني اتكالنا أولاً على الحزب وبعدين ع الجيش. وحياة العدرا لولا المقاومة كنا رحنا بالدعس». حسناً، ولكني سمعت أن شباب القرية يتعاونون مع المقاومة لحماية القرية. فهل هذا صحيح؟ تجيب «صحيح، في عسكر متقاعدين، عم يحرسوا مع سرايا المقاومة، مبارح بيّنوا علـ»ال بي سي» ما شفتيهم؟ بس مغطايين وجوهن. نحنا عرفناهم من أصواتهم»، تقول ضاحكة.

نقوم للاستئذان فتسألنا شملكان «شو ملّتكم؟». نضحك محاولين الزوغان، إلا أنها تصرّ ثم تقول «يعني إذا قلنا شي كلمة طلعت واقفة ما تواخذونا».

في مكان قريب، تقف صاحبة محل اللانجري مرحبة بزبونتين دخلتا مع أطفالهما. تقول مريم منصور التي كانت تحاول إسكات رضيعتها «الحركة طبيعية بالضيعة، بس طبيعي يكون في خوف. إنو داعش مش لعبة». ثم تضيف وهي تضع المصاصة في فم الرضيعة «بس كمان وجود الجيش والحزب من ميلة تانية، بيطمن. في عناصر فعالة عالأرض، وأكيد عنا فرق شباب بيتناوبوا بالتنسيق مع الجيش وشباب المقاومة». تستشهد بأنه رغم الخوف و»مواسم الامتحانات... بس السبت مثلاً عادي الناس عم تجي».

وماذا عن الأطفال؟ ألا يخافون؟ تقول زينة وهي تضحك «يعني كل ما بيسمعوا لبيد منقللهم هيدا فتيش (مفرقعات)». تثني ماري ــــ جو على كلامها: «إي منقللن فتيش... شو بدنا نقول للزغار؟».

القاع

في القاع، القرية الثانية المشغولة البال، يلفت نظرنا عجوز جلس بكامل هندامه العربي أمام منزله، الى جانب من بدت أنها زوجته. الذباب هنا أسطوري، يكاد لا يتركك تكمل الكتابة من دون ذبّ متواصل. تقول إحدى الصديقات إن السبب هو مجاورة المكان لمشاريع القاع الزراعية. يحرص الرجل على تهجئة اسمه لنا «مطانوس جرجس مطر، بس حطي ألف قبل مطانوس لأنو المختار غلط وكتب اسمي هيك»، تصيح به زوجته «شو خصّها؟» فيبادلها صياحاً بصياح «إنت شو خصك؟». يبدو أننا وقعنا على نسخة قاعية لثنائي مسلسل «الخربة»، توفيق «فاصلة منقوطة» وزوجته «نفّجة».

«كان عندي 3 قراريط بمشاريع القاع» يقول امطانوس رداً على سؤال، فتقاطعه «نفّجة» يا حسرتي... راحت المشاريع»! يصيح بها «خليني احكي». فتصيح به «احكي شو ماسكتك؟»! وماذا عن الأحوال الأمنية؟ هل هم خائفون؟ يجيبنا العجوز الذي تبين أنه لم يكن يرانا بسبب «مية الزرقا» في عينيه: «ما بيخلى الأمر، بس بعيد بالجرود. أنا بعت القراريط من ورا قلة الأمان». نسأله إن كان قد باعها قريباً؟ فيجيب «لا... بالثمانين (1980). كان في طائفية. كانوا يحرقولنا بيوتنا.» هل كان يقصد أهل الهرمل؟ «يا محلا أهل الهرمل عند العراسلة» يعلّق. ربما ظن أننا من هناك! نقول له: واليوم؟ يجيب: «اليوم متطمنين ما رح خبي عليكي، وسط الشيعة، لأنهم ضد الإرهاب».

نجح الذباب في تهشيلنا من تلك الجلسة، لندخل بعدها دكانة جهان شحود. الداخل ملجأ من الذباب. تقول زوجة العسكري التي كانت بصحبة أطفالها في المحل «في خوف. بس بوجود الجيش مرتاحين شوي». ثم تردف «بس بردو بتسمعي إشاعات: شي تسللوا شي ما تسللوا... يعني ع أعصابنا قاعدين. نسألها عن حال أولادها، «الولاد كتير متأثرين»، تقول، «السنة الماضية نزل صاروخ خلف «الطرمبة» (مضخة الوقود) لهلق الصبي كل ما سمع شي فقع بيصير يبكي. بعدين الولاد بيسمعوا. يعني كل حكي الناس داعش والنصرة وأيمتين رح يهجموا علينا. (تضحك) يعني لدرجة صرنا نخوف الولاد إنو بتسكت ولا ببعتك ع داعش؟ عم يستعملوها الأمهات، وخاصة إذا الصبي مركبلها قرون لأمو وعنيد... إيه بدها تعملها». تعلق زبونة في المحل «اللي عندو ولاد حبيبتي بيضل ضابب الشنط. يعني احتياطاً شنطة الولاد والوراق الرسمية دايماً مضبوبة». تقول صاحبة المحل «هلق أنا بضب الشنط، بس لما بيقولوا خلص ما في شي، برجع بفكها. مثلاً اليوم طلعت ضربة، صارت الناس: يه يه في تسلل! حكينا مع الجيش قالوا لا ما في شي. بس خلص الناس خايفة». تعلق جيسيكا «يعني كابوسنا يفوتوا وياخدوا النسوان مثلاً والولاد. بعدين شوفي هالوضع: جوزك ع الجبل وولادك معك، إذا صار شي شو بتعملي؟ بتتركي جوزك أو بتضلي ناطرتيه؟ وإذا تركتو ورحت ع بيروت، وين بدي روح إذا هوي مش معي؟».

وماذا تفعل القاع لتحمي نفسها؟ تجيب إحداهن «الشباب المتقاعدين (من الجيش) عاملين متل مناوبة حراسة على أطراف الضيعة. وهل لديهم سلاح؟ تقول «يعني كل بيت في سلاح فردي واللي ما معو اشترى».

«هلق صرنا نخاف أكتر لأنو عم بيقول حسن نصر الله إنو صاروا هون عنا محصورين بجرود راس بعلبك والقاع». تقول وداد وهبة عوض (60 عاماً) التي كانت ساعة العصر تجلس مع أهل بيتها على شرفة منزلها المطل على حديقة من شجر الخوخ والمشمش. وتضيف «إنو صاروا محصورين هون، وما منعرف كيف رح يكون الحسم... من مدة ما شفنا شي مش منيح، بس من يومين صاروا قال محررين 60% وباقي 40% شمال شرق، وحددوا القاع وراس بعلبك».

وماذا يفعلون ليطمئنوا أنفسهم؟ تجيب جارتها هند: «شباب الضيعة المتقاعدين ومش متقاعدين عم يحرسوا، متكلين عليهم وعالمقاومة. يعني الشباب عم يطلطلوا ع الضيعة». يقاطعها يوسف وهبة، صاحب المنزل الستيني، «إيه الشباب عم يحرسوا الضيعة والجيش بالجبال، بس الأخبار ما بتطمن». ولكن الى متى هذه الحال برأيهم؟ يقول: «حكي السيد إنو ما حدا يحط مدة زمنية، نحنا عم ندافع ومتفضايين إلهم». وماذا عن الجيش؟ تقول وداد «لا... الجيش وراهن بشي 15 كلم. الله يرد عنهم». يضيف يوسف: «عنا بالضيعة 1300 عسكري، واللي ما معو سلاح جاب سلاح». تتدخل وداد قائلة «عنا كمان العدرا (العذراء) سيدة التلة، بتحمينا وبتحمي الضيعة. يعني بدك تقولي نحن ناس مؤمنين بقدرة الله والعدرا والجيش والمقاومة».

نقوم مستأذنين فتمسك بيدنا السيدة العجوز «هلق ما قلتولنا إنتو مع مين؟» نقول لها: «مش مع حدا ستنا». فتصرّ على الإمساك بيدي وعلى السؤال»يعني إنتو مع الدكتور؟». تحبك النكتة فنجيبها «لا مع الحكيم». فتجيب متحمسة :»إيه هه. هيدا اللي بدنا اياه»!.

(الأخبار)