أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية في تركيا عن هزيمة واضحة، أولاً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزرائه أحمد داود أوغلو، وثانياً لحزب العدالة والتنمية، لا تتمثل هذه الهزيمة فقط في عدم حصول حزب العدالة والتنمية على الأغلبية البرلمانية التي تؤهّله لتعديل الدستور وتحويل النظام البرلماني إلى نظام رئاسي، بل وتحرمه أيضاً من الانفراد بتشكيل الحكومة التركية الجديدة. وبمعزل عن ماهية السيناريو الذي سوف تسلكه تركيا بعد الانتخابات الأخيرة، فإنه يمكن بوضوح استنتاج ثابتين أساسيين:

الثابت الأول، انتهاء حقبة صعود حزب العدالة والتنمية، ومعها انتهاء مرحلة انفراده برسم سياسات تركيا الداخلية والإقليمية والدولية. وهو لا شكّ تطوّر مهمّ في سياق ما يشهده الإقليم من أحداث وتطورات، كان لموقع تركيا الجغرافي دور كبير في رسم وجهة هذه التطورات، سواء كانت أمنية أو عسكرية أو سياسية.

الثابت الثاني، دخول تركيا مرحلة اللا استقرار السياسي في ضوء التوازنات الجديدة التي كشفت عنها نتائج الانتخابات، وفي ضوء مستوى الخلافات العقائدية والسياسية التي تفصل بين الأحزاب الأربعة التي فازت في الانتخابات.

في مطلق الأحوال، بات واضحاً أنّ مستقبل تركيا بعد الانتخابات يندرج في إطار واحد من ثلاثة سيناريوات:

السيناريو الأول، تشكيل حكومة ائتلافية يكون رئيس الحكومة فيها من حزب العدالة والتنمية كونه أكبر الكتل البرلمانية. ويمكن لهذا السيناريو أن يبصر النور في حال تحالف حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية. ولكن هذا التحالف يحتاج إلى أن يتخلى واحد من الحزبين عن الشعارات التي خاض على أساسها الانتخابات، ولا سيما إزاء القضايا الإقليمية وعلى رأسها السياسة التركية إزاء سورية، إذ من المعروف أنّ حزب الحركة القومية رفع في حملته الانتخابية شعار إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ووقف تسلل الإرهابيين إلى سورية، وإجراء اتصالات مع الحكومة السورية وتحديداً مع الرئيس بشار الأسد. فإما أن يتخلى حزب العدالة والتنمية عن سياسته الحالية وإما أن يتخلى حزب الحركة القومية عن شعاراته التي منحته هذا العدد من المقاعد في البرلمان، كي يتفقا على حكومة ائتلافية.

السيناريو الثاني، فشل حزب العدالة والتنمية، في المهلة المحدّدة دستورياً، إقناع واحد من الأحزاب الثلاثة مشاركته في حكومة ائتلافية، وبالتالي إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في غضون أشهر قليلة، أي في الخريف المقبل، ولكن خيار إجراء الانتخابات المبكرة بسرعة، الأرجح أنه لن يحمل جديداً في توازن القوى داخل البرلمان، وفي هذه الحال ماذا لو جاءت النتائج مماثلة لنتائج انتخابات حزيران، وهو الاحتمال المرجح.

السيناريو الثالث، انتقال حزب العدالة والتنمية إلى المعارضة، وترك الأحزاب الثلاثة الأخرى تتدبّر تشكيل الحكومة، ويبدو من الصعب على الأحزاب الثلاث المعارضة الاتفاق في ما بينها، وإذا كان من السهل اتفاق حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية، فإنه من الصعب إيجاد أرضية سياسية مشتركة بين هذين الحزبين وبين حزب الشعوب الديمقراطي.

(البناء)