Get Adobe Flash player

 

دشّن لقاء الرابية بين ميشال عون وسمير جعجع و«إعلان النيات» الذي أصدراه مرحلةً جديدة في أزمة لبنان المزمنة. تفسيرات وتعليقات وتوقعات شتّى أعقبت اللقاء المفاجأة، لعلّ أهمّها ثلاثة:

تثقيل وزن المسيحيين عموماً في موازين القوى السياسية والمذهبية المتصارعة في الساحة اللبنانية، وتوفير مناخ أفضل لاستعادتهم مبادرة مفقودة في الصراع السياسي المحتدم.

ترفيع حظوظ العماد ميشال عون في انتخابات رئاسة الجمهورية الشاغرة منذ أكثر من سنة بإضفاء صفة «الرئيس القوي» عليه وربما «الرئيس التوافقي» أيضاً بعد تصالحه مع جعجع واحتمال انضمام قوى وشخصيات مسيحية أخرى إلى مؤيديه.

توفير فرصة أفضل لاعتماد «تشريع الضرورة» في مجلس النواب، ولا سيما لجهة قانون الانتخابات الجديد ومشروع قانون استعادة الجنسية اللبنانية، وربما مشاريع قوانين أخرى.

غير أنّ لقاء عون – جعجع و«إعلان النيات» لا يقدّمان بالضرورة دفعاً محسوساً باتجاه توافق جدّي بين سائر الأطراف السياسية المعنية على حسم استحقاق رئاسة الجمهورية. كما أنّ «إعلان النيات» ببنوده الـ 12 ليس أكثر من عناوين تحتاج، بدورها، إلى توافق بين زعماء التكتلات البرلمانية لترجمتها إلى مشاريع قوانين.

ثم إنّ ردود الفعل السياسية والبرلمانية على لقاء الرابية لا تشير إلى «حلحلة» بشأن مسألة التعيينات، ولا سيما لجهة الاستحقاق الأقرب المتعلق بتعيين خلف للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء ابراهيم بصبوص الذي أجّل وزير الداخلية تسريحه لمدة سنتين ، والاستحقاق الأبعد والأكثر تعقيداً المتعلق بتعيين خلف لقائد الجيش العماد جان قهوجي الذي سيشغر موقعه خلال شهر أيلول المقبل. فقد بات واضحاً أنّ كتلة «تيار المستقبل» برئاسة سعد الحريري تتشبّث بموقفها الداعي إلى تعيين قائد الجيش بعد انتخاب رئيس الجمهورية كونه، بحسب الدستور، القائد الأعلى للقوات المسلحة، «ومن الطبيعي أن يعطي رأياً بالقائد الجديد»، كما قيل.

بصرف النظر عن دافع عون إلى ضرورة التعجيل في إجراءات ملء المراكز الشاغرة في قوى الأمن الداخلي والجيش والإدارات العامة وفق أحكام القوانين النافذة، وعن دافع الحريري إلى إرجاء التعيينات إلى ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية الجديد، فإنّ ثمة حقيقة لا سبيل إلى نكرانها أو تجاوزها هي اقتراب الحكومة من حال الشلل الكامل مع اعتزام فريق وازن من الوزراء الاعتكاف أو عدم توقيع مراسيم يتخذها مجلس الوزراء إذا لم تكن تتضمّن ملء شواغر القيادات الأمنية. هذا كله في وقتٍ يستمرّ شلل مجلس النواب بامتناع فريق كبير من أعضائه عن التشريع بدعوى عدم مشروعية ذلك، دستورياً وميثاقياً، في أثناء شغور مركز رئيس الجمهورية.

إذ تزداد أزمة لبنان السياسية تعقيداً بفعل مواقف أصحاب القرار من زعماء التكتلات البرلمانية ومتزعّمي الطوائف والمذاهب، يتطلع أصحاب النيات الطيبة من المواطنين الشرفاء، وهم أكثرية الشعب اللبناني، إلى مخرج من هذه الحال البائسة وانعكاساتها الخطيرة على لبنان، وجوداً وكياناً ومصيراً.

من الضروري، في سياق البحث عن مخرج وطني ودستوري من مآزق الأزمة الراهنة، التنبيه إلى حقيقة ساطعة هي أنه لم يبقَ بين مؤسسات الدولة إلّا اثنتان لبنانيتان حقاً: الجيش ومصرف لبنان المركزي. فاللون والسلوكية الطائفية والمذهبية يدمغان سائر الإدارات والمؤسسات العامة بميسمهما النافر والمنفّر ويقلّلان تالياً من مقبوليتها وفعاليتها. لذا من المنطقي أن تتجه الأنظار إلى قيادة الجيش كمرجعية وطنية عابرة للطوائف لاستدرار الثقة والهيبة والقوة والصمود في وجه ما يحيق بالبلاد من مخاطر وتحديات.

إذ تتضح صعوبة التمديد للعماد قهوجي مرةً أخرى على رغم التسليم بكفاءته، تتولد حاجةٌ وطنية ملحّة لتعيين خلفٍ له يكون أهلاً بقدراته وأدائه وقابليته لتوليد حالة إجماع أو شبه إجماع على شخصه لتولّي قيادة الجيش. فالجيش اللبناني جيش وطني بتركيبته وتربيته وتدريبه وعقيدته القتالية نتيجةَ إعادة بنائه بعد اتفاق الوفاق الوطني في الطائف واستيعاب قيادته الجديدة آنذاك بشخص العماد إميل لحّود دروس تجارب الماضي المريرة بأن أحسنت دمج عناصره ووحداته وصوّبت بنادقه باتجاه أعداء لبنان الحقيقيين من صهاينة وإرهابيين.

عندما يكون الجيش بهذه المواصفات والتوجهات الوطنية، يصبح مرشحاً في المنعطفات المصيرية ليلعب دور المرجعية الوطنية القادرة على قيادة سفينة البلاد بعيداً من الأنواء إلى ميناء الأمن والأمان. أليس هذا ما فعلته قيادة الجيش بشخص اللواء فؤاد شهاب عشية الأزمة السياسية الحادّة التي عصفت بالبلاد عام 1952 وغداة اضطرار رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري إلى الاستقالة ضنّاً بالوحدة والاستقرار بتسليمه مقاليد السلطة إلى قائد الجيش؟ أليس اللواء فؤاد شهاب، الآتي من قيادة الجيش الوطني إلى رئاسة الجمهورية، هو من أخرج البلاد من أزمتها الوطنية عام 1958 بإصلاحاته الإدارية المركزية ونزعته التنموية الشاملة؟

في ضوء هذه الخلفية الإيجابية لقيادة الجيش الوطني، وفي غمرة الصعوبات والصراعات التي يمور بها المشهد السياسي اللبناني، يبرز العميد شامل روكز، قائد فوج المغاوير، كأحد أبرز المرشحين لقيادة الجيش. فهو، إضافة إلى كفاءته وقدراته الشخصية، يتمتع برصيد ميداني وازن سواء في عملية عبرا التي أنقذت صيدا والجنوب من مخاطر حركة إرهابية مدعومة من الخارج، أو في عمليات جرود رأس بعلبك والقاع التي أنقذت البقاع الشمالي والبلاد من شرور هجمات إرهابية واسعة.

إلى ذلك، يتمتع العميد روكز بتأييد معلن من زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري وزعيم كتلة اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط، ناهيك عن تأييد زعيم تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون وزعيم كتلة المرده سليمان فرنجية وزعيم كتلة التحرير والتنمية الرئيس نبيه بري وكتلة الوفاء للمقاومة برئاسة محمد رعد. فوق ذلك، يتمتع العميد روكز بشعبية واسعة إذ ينظر إليه الناس، ولا سيما في مناطق جبل لبنان، كحامٍ لهم ذي هيبة وثقة وقدرة. وليس أدلّ على ذلك من تلك الجموع المؤيدة والمنخرطة في مسيرة الزحف إلى رحاب الطبيعة التي انطلقت منذ أيام من الساحل إلى نيحا في أعالي جبال الشوف. هذه الجموع التي تجلّى تأييدها للعميد روكز في أكثر من مناسبة اجتماعية في الآونة الأخيرة إنما بدت وكأنها «تنتخبه» للمركز القيادي الرفيع.

صحيح أنّ ثمة تحفظاً من هذا الفريق أو ذاك على تعيين قائد للجيش قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية، لكن خطورة ما يعصف بالبلاد من مخاطر وتحديات ستجعل من هذا الاستحقاق الماثل أهمّ وأقرب منالاً من أيّ استحقاق آخر، بل لعلّ الوفاء به في هذه الظروف الاستثنائية يعجّل في إيجاد مخارج للاستحقاقات الأخرى.

أدعو المواطنين الطيّبين الشرفاء المفعَمين بالوطنية الصادقة إلى التحرك والضغط شعبياً على أصحاب القرار من أجل تنفيذ رغبتهم في «انتخاب» العميد شامل روكز قائداً للجيش. بذلك يكسبون لأنفسهم جائزة إضافية وثمينة: دَين وجميل في عنق القائد كي يبقى دائماً «حصة» الناس الطيّبين، غالبية هذا الشعب، لا أسيرَ الزعماء والمتزعّمين والحواشي السيئة من ذوي الأطماع والفاسدين.

(البناء)