Get Adobe Flash player

 

التاريخ يكتب ايامه وسنواته بالحقيقة التي تظهر والواقع الذي يسطع، وبالتالي فالتاريخ لا يكذب. ولذلك، فنحن نستعرض ما حصل من اخطار على لبنان في السنوات الثلاثين الماضية، وكيف تصرفت المقاومة، وكيف تصرفت الحكومات اللبنانية السياسية ونعرضها، لان النتائج باتت واضحة في تاريخ بلادنا، ولا يستطيع احد ان ينكرها، حتى العدو الاسرائيلي يعترف بها.

احتلت اسرائيل جنوب لبنان وقسماً من البقاع الغربي في عملية الليطاني، وكان الاحتلال جاثماً على صدر الجنوبيين ومنتقصاً من سيادة لبنان غير القادر على ضرب الاحتلال وإزالته بواسطة جيشه والقوى الامنية.

تحملت المقاومة المسؤولية في غياب قرارات الحكومة بشأن الجنوب، فالحكومات التي توالت من سنة 1978 وحتى سنة 2000 لم تحرك ساكناً لتحرير الجنوب حتى دبلوماسياً، ولا هي قامت باي خطوة عسكرية لاشعار الاحتلال اننا نرفضه. فتحملت المقاومة المسؤولية، وقاتلت على مدى 18 سنة في عمليات عسكرية متتالية، كانت فيها تدك مراكز الاحتلال وتسجل انتصارات تلو الانتصارات، رغم انها كانت تقدم الشهداء تلو الشهداء والتضحيات الجسام. وثابرت المقاومة على عملها، واستعملت اسرائيل كل وسائلها العسكرية من طائرات حربية وطوافات وبوارج بحرية ودبابات وقصف مدفعي وإنزال بالطوافات واغتيالات، ومع ذلك لم تستطع الانتصار على المقاومة، فكان الانتصار الواضح سنة 2000 عندما انسحبت اسرائيل تحت ضغط ضربات المقاومة من الجنوب والبقاع الغربي الى خط الانسحاب اي الخط الازرق.

فيما كانت الحكومات السياسية تعيش في برج بابل بنقاشاتها، حتى ان هنالك اطرافاً كانت تصرح ضد المقاومة التي تحملت مسؤولية تحرير الجنوب، وقررت دفع الاثمان الغالية والتضحيات الكبرى في سبيل لبنان وسيادته وفي سبيل تحرير الشعب والارض من الاحتلال الاسرائيلي.

التجربة الثانية كانت في حرب 2006 عندما شن العدو الاسرائيلي حرباً لا هوادة فيها واستعمل القصف الجوي، مدمراً جزءاً كبيراً من البنية التحتية في لبنان، وقصف كل مراكز المقاومة وايضاً قوافل مدنيين في الجنوب وقصف كل قرى الجنوب ومدنه، اضافة الى القصف الذي وصل الى عكار واقاصي البقاع. وهاجم برياً مستعملاً دباباته بغطاء جوي من الطوافات والطائرات الحربية، فكانت النتيجة ان المجاهدين حققوا معجزة مجزرة دبابات الميركافا، اذ احترقت ودمرت ثلاثون دبابة في سهل الخيام بصواريخ مضادة للدروع قصفها المجاهدون عن قرب، وثبتوا في مواقعهم، واوقفوا التقدم البري للجيش الاسرائيلي، حتى انتهت حرب 2006 والعدوان الاسرائيلي بعد ثلاثة وثلاثين يوماً، بهزيمة كبرى لاسرائيل وسقوط حكومة اولمرت واهتزاز الكيان الصهيوني كله، الذي نال من الصواريخ التي قصفتها المقاومة، ما جعل كيان العدو يهتز من جذوره، فحصلت هجرة اسرائيلية من الجليل وحيفا نحو مناطق الضفة بحجم مليون ونصف المليون اسرائيلي.

بدل ان تقف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لتدعم المقاومة، تآمرت عليها وانتقدتها. وكان هنالك تواطؤ مع الولايات المتحدة من قبل حكومة السنيورة ضد المقاومة اللبنانية. وانطلقت الانتقادات من السياسيين ضد المقاومة التي سجلت انتصاراً باهراً على العدو الاسرائيلي لم يحصل منذ اغتصاب فلسطين وحتى الان.

وجاءت المساعدات العربية والدولية لإعمار الجنوب، فاحتكر الرئيس السنيورة هذه الاموال وصرفها وضاعت في مهب الريح، ولم ينل اعمار الجنوب الا الجزء اليسير من ثلاثة مليارات وصلت الى لبنان لاعمار الجنوب. فتحملت المقاومة مسؤولية اعادة اعمار الجنوب واسكان النازحين والمهجرين بفعل تدمير منازلهم. وفي يوم واحد، عاد النازحون والمهجرون الى الجنوب فور وقف اطلاق النار، بنداء من المقاومة اعاد اهل الجنوب الى قراهم ومدنهم، رغم ان العدو الاسرائيلي كان يعتقد ان اهل الجنوب لن يعودوا قبل ستة اشهر، بفعل التدمير الحاصل في المدن والقرى الجنوبية.

فشلت حكومة الرئيس السنيورة التي تعتمد طمر رأسها في الرمال كالنعامة ولا ترى شيئاً، فيما انتصرت شجاعة المقاومة ورؤيتها، وانتصر الوعد الصادق بأننا سنهزم اسرائيل، وهو الوعد الصادق الذي اطلقه سماحة السيد حسن نصرالله امين عام حزب الله.

وتأتي المرحلة الثالثة وهي جرود القلمون وجرود عرسال، حيث تم طرح الموضوع امام مجلس الوزراء بشأن تحرير الارض اللبنانية في جرود عرسال. فانقسمت الحكومة وبدت هزيلة. وبدل ان يأخذ رئيس الحكومة القرار لمناقشة الموضوع وتكليف الجيش تحرير الاراضي اللبنانية في جرود عرسال، قرر الرئيس تمام سلام تأجيل الموضوع الى جلسة وزارية لاحقة. وهكذا تنكبت المقاومة تحرير جرود القلمون وجرود عرسال، وسط نقاش سياسي يضر ولا يفيد، ويسيء الى معنويات المجاهدين الذين يقاتلون في الجرود في اصعب الاحوال. وهذه الانتقادات مستمرة حتى الان، رغم ان المجاهدين استطاعوا تحرير جرود القلمون وجزء كبير من جرود عرسال. وهرب التكفيريون بعد ضربات المقاومة من تلال جرود عرسال الى الوديان، ومنهم من هرب الى بلدة عرسال ومخيمات النازحين السوريين. وحررت المقاومة جرود عرسال، واصبح الجيش اللبناني مرتاحاً في مواقعه، لا خطر عليه من الجرود التي حمتها المقاومة بعد السيطرة العسكرية عليها، وبعد دحر التكفيريين الى الوديان والهرب الى اماكن اخرى.

بعدما انجزت المقاومة مهمة تحرير جرود القلمون وجرود عرسال، استفاقت الحكومة وقررت تكليف الجيش معالجة وضع بلدة عرسال بالنسبة لسيطرة جماعة النصرة على البلدة التي اقامت فيها محاكم شرعية وسجوناً وخطفت المواطنين واستباحت الامن. ونأمل ان يلبي الجيش قرار الحكومة وتعود عرسال الينا، ويتم طرد عناصر التكفيريين الذين استباحوا عرسال واهلها وجرودها. واستطاعت المقاومة تحرير جرود البلدة وقطع الامدادات عن التكفيريين في بلدة عرسال، ولم يعد امام الجيش الا تطهير البلدة، بعد ان اخذت الحكومة القرار مرغمة. وانخفض رأس الوزراء والنواب الذين كانوا يحذرون من تحرير الارض اللبنانية في جرود عرسال، وانها مغامرة كبيرة وظهرت النتائج بهروب التكفيريين، واستطاعت المقاومة تحرير الجرود خلال ايام متحديةً الارض المكشوفة والقتال على التلال في اصعب الظروف.

شجاعة المقاومة ورؤيتها البعيدة ابعدتا الخطر عن البقاع الشرقي وعن مدن وقرى البقاع، وجعلت الجيش اللبناني اقوى، واصبحت مقولة المقاومة والجيش والشعب هي الاساس، لان الاهالي في القرى حملوا السلاح ليدافعوا عن قراهم وبيوتهم، ولان المقاومة حررت الجرود في القلمون وعرسال، وفتحت الطريق امام الجيش كي يضبط الوضع بعد ازالة الخطر عنه من الجرود التي كان المسلحون يهاجمونه منها خلال الاشهر الماضية واوقعوا عشرات الشهداء من ضباط ورتباء وجنود وعشرات الجرحى في صفوف الجيش اللبناني، وأسروا اكثر من اربعين جندياً ودركياً وذبحوا من الاسرى ظلماً شهداء للجيش اللبناني وقوى الامن.

هكذا سيكتب التاريخ ان المقاومة تنكبت المسؤولية وبشجاعة ورؤية واضحة انتصرت. وسيسجل التاريخ ان الحكومة كانت مترددة وهزيلة وضعيفة، وليس لديها الجرأة لاتخاذ قرار بتحرير جرود عرسال، وهي ارض لبنانية واعادتها الى السيادة.

هذا هو الفرق الكبير بين شجاعة ورؤية لدى المقاومة التي تحقق انتصارات وبين فئات سياسية تتناحر كأنها برج بابل، وتترك خطر اسرائيل والتكفيريين علينا دون رادع، لولا ان المقاومة اللبنانية هي التي تحملت المسؤولية وأزالت خطر اسرائيل والتكفيريين عن اللبنانيين وأعادت السيادة الى لبنان.

(الديار)