Get Adobe Flash player

 

يستوقفني بين الفينة والأخرى « مفكّرون « إمتهنوا التعبير في وسائل إعلام آل سعود وآل خليفة ومن هم على شاكلتهم من نواطير منابع النفط في شبه جزيرة العرب، خَدَمة الولايات المتحدة الأميركية ووكلائها . من المعروف أن هؤلاء المفكرين يروجون « لصرعة « تتزين بلباس «الديمقراطية والتعددية الحزبية» هي في الواقع من إبداعات الوكالات الأميركية المتخصصة بصناعة الأفكار والخطط الهادفة إلى بسط وإحكام هيمنة الولايات المتحدة الاميركية على العالم. يستتبع ذلك أن أشكال وألوان هذه «الصرعة» تتبدل وتتحول بحيث تتلاءم دائماً، في جميع الظروف، مع المتطلبات التي تفرضها الحاكمية الأميركية المعولمة .

لمَّحت في مقالات سابقة إلى أن من دواعي التعجب والإستغراب والريبة أيضا، أن يزعم البعض بأن « الديمقراطية والتعددية الحزبية « هي ضرورية ولازمة وملحة، إلى حد أنه يتوجب على المجتمع الدولي فرضها فرضاً، واستخدام القوة العسكرية من أجل ذلك إذا إقتضى الأمر، فقط في البلاد العربية التي كان لها دور ومساهمة في مشروع الإتحاد القومي العربي، وتحديداً في التصدي لمقاومة مشروع إستعماري إسرائيلي مضاد، باستثناء البلاد العربية الأخرى التي انتهجت تاريخياً سياسات تنسجم مع تبعيتها للأمبريالية الأميركية .

لا جدال في أن الحكومات التي تعهدت المشروع القومي العربي، أخفقت وهزمت شر هزيمة سنة 1967، وأنها موّهت هذه الأخيرة في حرب تشرين 1973 بنصر كان في الحقيقة إخفاقا جديداً، أوقعها في مأزق جعلها خائفة يائسة، تضرب ضرب عشواء .

ولكن ما يدهش في هذا السياق إلى حد الذهول، هو أن الذين هرعوا إلى شعوب البلدان العربية المنكوبة بالهزائم وبقصور معرفة الحكام واستهتارهم، أكاد أن أقول بإنحرافهم، هي الرجعية العربية والقوى الظلامية الإسلامية بالإضافة إلى القوى الإستعمارية الغربية القديمة والحديثة. جاء هذا الثلاثي الشيطاني بوصفة «الديمقراطية والتعددية الحزبية» يريد أن تتجرعها هذه الشعوب المغلوب على أمرها، التي لا تختلف في غالبيتها عن حكامها، أو قل أن الهوة التي تفصل بينها وبين بعض نخبها هي كمثل تلك التي توجد بين الأخيرة وبين الحكام ، عمقاً وإتساعا !

المفارقة هنا هي في الخط الدعائي الذي ينتهجه المفكرون الذين يعملون في خدمة هذا الثلاثي الشيطاني . فهم يـُقسِمون بجميع الآلهة المعاصرين والقدامى، بأنهم ليسوا مذهبيين. ولكن هذا لا يمنعهم من إعتبار الإخوان المسلمين في سوريا «ثواراً». الذين كانوا يختلطون بجموع المصلين في أيام الجمعة، أثناء خروجهم من المساجد . هم يزعمون أنهم ضد آل سعود وضد الإستعمار الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية وتركيا وإيران، ولكنك تراهم فرحين، يهللون « لإنتصارات الثورة ويستبشرون بقرب سقوط الدولة السورية وتقسيم أرضها» كلما استولت «داعش» أو «النصرة» على بلدة سورية، رغم أن هذين الفصيلين يستخدمان المدرعات والمدفعية والصواريخ، ما يدل على أنهما جيشان، أي إنهما بالقطع، لا يمثلان أحزاباً أو حركات سياسية سورية جماهيرية وإنما تقف وراءهما على الأرجح، دول كبيرة، تملك قدرات تمكنها من تجنيد المقاتلين وأعدادهم وإمدادهم بالمؤن والذخائر والإحتياجات المعيشية . هذا يذكرنا بأميركا اللاتينية وبجيش الكونترا من أجل «الديمقراطية» في نيكاراغوا.

(الديار)