«في ليل السابع من حزيران (الأحد) سينتصر المنتصرون مرة اخرى. سيكونون متوترين ويبتهلون، لكنهم لن يكونوا سعداء. سيغضبون، ويكونوا مستعدين لمواجهة أي أرواح يتخيلون أنها أعداء. سيستمرون في بناء دولة مزيفة: بدون أخطاء وبدون كحول. لن يرتاحوا حتى يحولوا النصف الثاني من تركيا إلى ما يشبه النصف الذي يسيطرون عليه، ويقومون بالألاعيب وهم يحملون في أيديهم الكتب المقدسة». هذه الكلمات كتبها الكاتب بوراك بكديل من صحيفة «حريات ديلي نيوز» عن الحزب الحاكم ومن يقف على رأسه، رجب طيب اردوغان. هذه الصحيفة مملوكة من قبل ايدين دوان الذي تعرض لاحدى الغرامات الأكبر في تاريخ تركيا بتهمة التملص من دفع الضرائب، لكن السبب الحقيقي لذلك هو أن الصحف التي يملكها لا تكف عن انتقاد اردوغان.

ليس فقط الصحف والصحافيين الذين لا يُصلون كل صباح لسلامة رئيس تركيا يعتبرون أعداءً للدولة. الأرمن والأكراد ايضا يشكلون تهديدا على الاستراتيجية الرئاسية الجديدة التي يخطط لها اردوغان.

في خطاب ألقاه في مدينة بنغول في جنوب شرق الدولة هذا الاسبوع قال اردوغان: «الشريك لحزب الشعب الديمقراطي (المؤيد للاكراد) هو الصحافة التابعة لـ دوان واللوبي الأرمني واللوطيين والعلويين بدون علي (اشارة إلى رئيس الحزب الجمهوري المعارض كمال تشيليكدار اوغلو)». واذا لم تكن قائمة الأعداء هذه كافية فقد أضاف اردوغان اليها في خطابه الصحافة الدولية وعلى رأسها «سي.ان.ان» و»بي.بي.سي» و»نيويورك تايمز».

اردوغان ليس هو من سينتخب في يوم الاحد القادم، بل المرشحون الذين سيحصلون على 550 مقعدا في البرلمان. لكن اردوغان يرى في هذه الانتخابات امتحان الثقة له ولسياسته، فهو لا يكتفي بمنصب الرئاسة الرمزية كما يحدده الدستور، بل يسعى لأن يكون رئيسا أمريكيا، بل وأكثر من ذلك، وهو يريد صلاحيات واسعة تكون في الدستور الجديد ويطمح لانشاء تركيا جديدة حسب مذاقه.

من اجل تحقيق طموحه دون قيود فانه بحاجة إلى 400 من المشرعين كأعضاء في حزبه، حزب العدالة والتنمية الإسلامي. اغلبية كهذه ستضمن له القدرة على اجراء التعديلات دون استفتاء شعبي، واذا لم يحصل على هذه الاغلبية، فهو يحتاج على الأقل إلى 330 مُشرعا، وهو الحد الأدنى من اجل المصادقة على التعديلات في الدستور بواسطة الاستفتاء الشعبي. وكل نتيجة أقل من ذلك ستكون فشلا سياسيا كبيرا.

تعطي الاستطلاعات عشية الانتخابات لحزب العدالة والتنمية 40 ـ 42 بالمئة، والحزب الجمهوري يحظى بـ 25 ـ 28 بالمئة، وحزب اليمين القومي، 15 ـ 18 بالمئة، وحزب الشعب الديمقراطي المؤيد للاكراد، 9 ـ 11 بالمئة. المفارقة هي أن الاكراد هم من يهدد الآن بافشال نوايا اردوغان. واذا تمكنوا من تجاوز نسبة الحسم (10 بالمئة)، فسيكون هذا على حساب ممثلي حزب العدالة والتنمية. قد يضطر اردوغان في هذه الحالة إلى التحالف معهم أو مع الحزب الوطني من اجل تشكيل الحكومة القادمة. الائتلاف هو كلمة نابية في قاموس الرئيس التركي، الذي يسعى إلى برلمان ذي حزب واحد يشكل ختماً لنواياه.

قرر الاكراد القيام بخطوة خطيرة. بدلا من وضع مرشحين مستقلين قاموا بترشيح قائمة قطرية من اجل الحصول على اصوات من هم ليسوا اكراد، لكنهم يعارضون اردوغان. وهناك الكثير من الاتراك المستعدين للتصويت للحزب الكردي فقط لمنع حصول اردوغان على الاغلبية المطلوبة في البرلمان. في المقابل اذا لم يتجاوز الاكراد نسبة الحسم فسيكون حزب العدالة والتنمية هو الرابح الاكبر من الاصوات الفائضة، وهذا هو سبب هجومه السياسي عليهم. يوجد لدى الاكراد آراء مختلفة، فهناك من يعارض حزب الشعب الديمقراطي الذي يعتبر الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله اوجلان، وهناك ايضا تيارات محافظة ودينية تؤيد المصالحة التي بدأت قبل بضع سنوات، التي من شأنها منح الاكراد حقوق ثقافية وسياسية، لذلك فان الافتراض بأن جميع الاكراد سيصوتون للحزب الكردي ليس منطقيا، ومن هنا يأتي التوتر عند نشطاء الحزب.

تركيا تصل إلى الانتخابات بعد أن وضع اردوغان الأساس المطلوب لتهديد أعدائه. القوانين الجديدة لمحاربة الإرهاب والامن الداخلي والحصانة الجنائية للاستخبارات. كل ذلك يُمكن اردوغان من تنفيذ الاعتقالات وتفتيش البيوت حتى وإن كانت هذه مجرد شكوك لعمل عدائي.

وقد قُدمت ضد الصحافيين دعاوى قضائية ويتوقع أن يُحكم على اثنين منهم بعشرات السنين اذا تمت ادانتهما. قانون الانترنت يعطي وزير الإعلام الصلاحية باغلاق مواقع تضر أمن الدولة والأمن العام أو سلامة الجمهور.

اردوغان يتهم خصومه بالتعاون مع جهات اجنبية واصحاب مصالح اقتصادية ودول غربية تسعى إلى «تقسيم الشعب والمس بالدولة التركية». الانتقاد الموجه اليه من فتهولا غولان على الفساد يرد عليه اردوغان بـ «لا يوجد أمر مهم في هذه الانتخابات سوى الديمقراطية التركية، الاقليات ومكانة تركيا في العالم».

إن سيطرة اردوغان على نصف الدولة غير مهمة ما دام النصف الثاني يدير ظهره له.

اردوغان يدرك بعد 13 سنة في الحكم أنه الزعيم الذي لا خلاف عليه، وسيستمر في كونه كذلك طالما أن الاقتصاد لا يتدهور. تركيا جاهزة لامكانية أن تكون السلطة فيها مطلقة من قبل رئيس له صلاحيات كبيرة ويعتمد على البرلمان بدون معارضة حقيقية، ويعمل على تغيير وجه تركيا، والقضاء نهائيا على القيم العلمانية التي وضعها أتاتورك، وتحويل الشريعة الإسلامية إلى مصدر الصلاحيات، كما هي الحال في باقي الدول الإسلامية.

هآرتس