Get Adobe Flash player

 

يبدو أن أيام «داعش» الهانئة إزاء «التحالف الدولي»، طويلة جداً، والاتفاق الوحيد الذي تمخّض عنه اجتماع دول «التحالف» في باريس، أمس، هو مواصلة الضربات الجوية المحدودة الفعالية نفسها، والضغط على الحكومة العراقية لتحجيم «الحشد الشعبي» ودوره، وتكبير دور السنّة لضمّهم إلى جبهات القتال، والابقاء على الجيش العراقي من دون سلاح ومعدّات لقتال «داعش»، ولا تغيير في الاعتكاف عن إرسال قوات برية.

اذا لا استراتيجية جديدة تواكب تقدم «داعش» في سوريا وفي العراق، بل على العكس من ذلك هناك تبنٍّ أوضح لفصل مستمر بين الساحات العراقية والسورية، لتحقيق مزايا جديدة في سوريا عبر «داعش» لاضعاف الجيش السوري، فيما يعمل التنظيم على توحيد الساحات في قلب المشرق.

نكايات سياسية أيضا، ولا رؤية استراتيجية فرنسية خصوصا، إذ لا يزال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس يضع شروطا على تكثيف المساعدات (المتواضعة ضمنا) العسكرية، لمد يد العون لبغداد، تندرج في نظرة الديبلوماسية الفرنسية إلى أن اللحظة قد حانت لدمج السنّة في الحكم، وتصحيح المحاصصة، عن طريق الضغط على رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي في ذروة لحظة تهديد «داعش»، وتحديدا بعد سقوط مدينة الرمادي.

ولا يبدو أن العراقيين في طور التفكير بأي محاصصة، إذ أن رد رئيس الوزراء العراقي على الطلب، جاء بالقول بأن بغداد لا تعمل على ضم السنّة كعشائر إلى «الحرس الوطني»، وإنما كأفراد، وأن خمسة آلاف مقاتل سني قد جرى ضمهم بالفعل إلى الأطر المقاتلة، وأن التصويت على قانون «الحرس الوطني»، يواجه صعوبات في البرلمان، ولكن التصويت عليه قريب جدا.

الاستراتيجية الوحيدة تجاه «داعش»، تبدو تسميتها بـ «الدولية» فضفاضة بل وغير منصفة كالعادة، ذلك أن ما ينفّذ منها أميركي حصرا، والآخرون من غربيين وخليجيين وممثلي خارجيات ٢٤ بلدا، حضروا اجتماع باريس، أمس، من ضمنهم وزيري الخارجية السعودي والتركي، يواكبون السياسة الاميركية، تماما كطائراتهم التي لم تملك منذ عام تقريبا، تنفيذ سياسة مختلفة، وتكتفي بمواكبة أسراب الطائرات الاميركية ضد «داعش»، وتقديم تغطية عربية وإسلامية ودولية لعملية اميركية الاهداف سقفها احتواء «داعش»، للابقاء على البغدادي عامل استنزاف للجيشين السوري والعراقي، من دون البحث في توسيع الحد الادنى من هامش المشاركة في القرار.

وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد استبق الاجتماع بنعي فعالية التعاون الدولي مع بغداد في مكافحة «داعش» ورأى أن «الحملة الجوية ليست كثيفة بما يكفي، كما أن مراقبة داعش ليست فعالة، وداعش تتحرك بمجموعات صغيرة وليس بأرتال كبيرة، ونحن لا نريد قوات برية، ولو طلبناها فلن نحصل عليها، كما لم نحصل لا على أسلحة ولا على ذخائر من التحالف الدولي ولا نحصل على معلومات جوية كافية».

ومن الواضح أنه مع باريس أو من دونها فالاستراتيجية الاميركية هي نفسها، تلقت انتقادات كثيرة حول نجاعتها لكن لا بدائل: مواصلة الضربات الجوية التي بلغت 4100 غارة حتى الامس. وحتى ولو كانت بنتائج محدودة الفعالية، فإن داعش تمددت شرقا نحو الرمادي، وغربا في وسط سوريا نحو تدمر، وهي تتوسع شمالا في جبهة ريف حلب الشمالي باتجاه الحدود التركية، من دون أن يظهر الاتراك قلقا كبيرا من اقتراب البغدادي من معبر باب السلامة، ووصلت طلائعها إلى شمال شرق درعا، وليس واضحا حتى الان ما اذا كان البغدادي سينقض اتفاقا غير معلن بعدم تهديد الاردن، وجميهعا عناصر لم تدخل في حسابات ولا نقاشات اجتماع باريس.

ويأتي ثانيا تدريب قوة عراقية من أجل مواجهة «داعش»، عديدها لن يزن كثيرا في المواجهة لأنه لا يتجاوز الألف عراقي، والضغط على حكومة العبادي لكي تضم الى العملية السياسية المزيد من السنة، وفتح باب «الحرس الوطني» أمام العشائر السنية، لاقناعها بأن «داعش» ليست جيش السنة في المنطقة، واخضاع «الحشد الشعبي» لسلطة الحكومة العراقية. والثابتان اللذان لم يجد أحد من المجتمعين ما يقوله حولهما هما استبعاد ارسال أي قوات برية الى العراق، لأن الادارة الاميركية لا تزال مقتنعة ان «داعش» تبحث عن انزالها الى الارض وتوريطها في القتال، فضلا عن موافقة مستهجنة من العبادي على التوقيع على بيان نهائي، يستبعد سوريا رسميا كركن أساسي في الحرب على الارهاب وعلى «داعش».

وذكر البيان أن «النظام السوري لا قدرة له، ولا رغبة لديه في محاربة داعش» وهي خلاصة بعيدة جدا عن الواقع، تتجاهل آلاف الغارات التي يقوم الطيران الحربي السوري ضد أرتال «داعش» في سوريا، ومعاقله، والمعارك التي خاضها الجيش السوري منذ ثلاثة أعوام سواء في الشمال وأرياف حلب ومطار منغ، أو في الطبقة والرقة وعين عيسى، والمعارك حول دير الزور، ومؤخرا في تدمر.

والأهم أن الاصرار على فصل الساحات العراقية عن السورية، مخافة من أن يستفيد النظام السوري، كما يقول الفرنسيون، من الضربات الجوية، سيعزز الفصل المصطنع اتجاه «داعش» إلى وضع سوريا، وليس العراق، على سلم أولويات التنظيم، لتحويل ما احتله من أراض فيها إلى معقل للخلافة، اذا ما اضطر الى التراجع نحو الغرب والخروج من الأنبار. والضربات الجوية هذه غير قادرة لا على احتواء «داعش» في العراق، ولا على صده من التمدد نحو سوريا، والأحرى أنها لن تفعل ذلك إلا في حدود تأمين الادارة الذاتية الكردية في الشمال السوري، وضمن حاجاتها.

ولأن لا جديد يقدم، وأن صدمة سقوط الرمادي هي التي استدعت اجتماع باريس، كان على العراقيين أن يقدموا خطة يمكن للاجتماع أن يخرج ببيان حولها ويتبناها، وبالفعل خلص البيان النهائي إلى دعم خطة عراقية، تقدم بها رئيس الوزراء حيدر العبادي، تشتمل على النقاط التالية:

أولا- تسريع وتيرة الدعم المقدّم للمقاتلين من العشائر في محافظة الأنبار الذي يشمل تجنيدهم وتجهيزهم وتدريبهم لكي يحاربوا تنظيم «داعش» مع القوات العراقية.

ثانيا- تجنيد الأفراد في وحدات الجيش العراقي وخصوصا في الوحدات المتمركزة في محافظة الأنبار التي استنزفت بفعل القتال لمدة 18 شهرا.

ثالثا- استدعاء شرطة الأنبار وتأهيلها لكي تتولى المناطق المحرّرة من تنظيم «داعش».

رابعاً- الدعوة إلى تقديم المساهمات الدولية في آليات التمويل التي وافق عليها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أجل تيسير إرساء الاستقرار فورا في المناطق التي دُحر تنظيم «داعش» منها.

خامسا- ضمان عمل جميع القوات المشاركة في تحرير محافظة الأنبار تحت قيادة رئيس الوزراء العراقي وسلسلة القيادة العراقية ومراقبتهما.

وبعيدا عن كلام البيانات الاجماعي الضروري، والمعد مسبقا. قدم العبادي صورة اقل تفاؤلا للعمليات العسكرية، وللتعاون الغربي الاميركي المشروط الذي يعقد الحرب على «داعش»، إذ كشف رئيس الوزراء العراقي عن وجود أكثر من 3100 مستشار عسكري أميركي، و110 مستشارين ايرانيين، واستطرد قائلا «لكننا لم نحصل لا على العتاد ولا على الاسلحة والذخائر التي وعدونا بها (التحالف)، وسنحاول الحصول عليها من الروس، ومن الصعب الحصول عليها من ايران بسبب تعقيدات نظام العقوبات المفروض عليها».

ولأن البيان لم يأت إلا لماماً على مسؤولية بعض الدول التحالف في الالتزام بتجفيف موارد ومنابع الارهاب، لا سيما تركيا والسعودية، ذكر العبادي أنه منذ ستة أشهر كان العراقيون يمثلون 60 في المئة من داعش بينما يمثل الاجانب 40 في المئة، وأضاف «لاحظنا أن النسب قد انقلبت وأن الاجانب يغلبون في صفوف داعش»، وتابع «أن داعش مشكلة دولية، ونحتاج إلى أن يعمل التحالف سياسيا، وإلا فما معنى أن يتدفق لقتالنا في العراق مقاتلون من السعودية والخليج، ومن مصر وسوريا وتركيا ومن دول أوروبية»، واعتبر أن هذا الأمر هو «مشكلة الجميع، وليس مشكلة العراق وحده».

وفي ختام المؤتمر أكد ممثلو الدول الغربية الرئيسية التي يتألف منها «التحالف» على دعم مشروط لخطة بغداد لاستعادة المناطق التي استولى عليها تنظيم «داعش» خصوصا بعد سقوط مدينة الرمادي في مقابل «تنفيذ مصالحة سياسية في العراق»، كما أكد المجتمعون على ضرورة إيجاد حل سياسي «سريع» للنزاع الدائر في سوريا تحت إشراف أممي ووفقا لمبادئ بيان جنيف.

وقال نائب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في ختام الاجتماع الدولي «إنها خطة جيدة عسكريا وسياسيا»، وأضاف أن «وزراء التحالف تعهدوا بتقديم دعمهم لهذه الخطة»، كما وصف سياسة «التحالف» الذي تقوده بلاده في العراق بـ «الإستراتيجية الصائبة» التي هي «مزيج من ضربات جوية وعمليات تدريب وشركاء دوليين يعملون بفاعلية».

بدوره، قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بعد الاجتماع «اتاحت لنا المحادثات تأكيد وحدتنا وتصميمنا المشترك على قتال إرهابيي الدولة الإسلامية»، وأضاف «لا يمكن فصل هذه الاستراتيجية العسكرية عن تنفيذ مصالحة سياسية في العراق.. لا يوجد.. العسكري على جانب والسياسي على الجانب الآخر».

وانتقدت حكومة إقليم كردستان استبعادها من اجتماع باريس، وقالت إن التجاهل يمثل «استهانة بتضحيات قوات البشمركة التي تقاتل ايضا تنظيم داعش»، كما ألغي اجتماع للعشائر السنية كان يفترض أن يعقد في باريس، وقال أحد شيوخ عشيرة الزوبع الشيخ جمال الضاري إن العبادي لا يمكنه الوفاء بتعهداته لأنه «ألعوبة لايران».

واعتبر الضاري إنه ينبغي أن تكون هناك «مصالحة حقيقية تشهد توصل الشعب العراقي لحل سياسي لما يحدث وعندها سيتخلص السنة من تنظيم داعش»، وأضاف أن «السنة لن يتخلصوا من داعش ليحل محلها قاسم سليماني في بغداد».

(السفير)