تخوض السعودية حرباً ضروساً على جبهات المنطقة، في سورية واليمن والعراق. تقدّم هنا وتراجع هناك، لكن اليمن يبقى العامل الأبرز في تكييف الموقف السعودي في المنطقة؟، سواء لجهة الدفع بالتصعيد والهيستيريا قدماً، أو لجهة التوقف والقبول بالانصياع لمطالب وقف التدخل الخارجي في شؤون الدول آنفة الذكر، والجلوس إلى طاولة التفاوض مع طهران، أسوةً بالولايات المتحدة الأميركية، هذه الأخيرة التي تعتبر الحاضر الأبرز في الساحات السابقة والتي ما كان ليحصل أي شيء لولا موافقتها. فلا مجال لشنّ حروب بهذه الوحشية والمباشرة من دون موافقة الولايات المتحدة. هنا تغيب الهوامش التي تسمح باللعب على أوتار التناقضات لمصلحة القرارات الكبرى التي تنظم حروباً وتدخلات عسكرية من هذا النوع.

تقوم استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية في الخليج على الدفع ما أمكن ببلورة هياكل خليجية مستقلة في الحركة قادرة على الاستغناء إلى حدٍّ ما عن التدخل العسكري الأميركي المباشر «بناء قدرة دفاع جماعي لحلفائها دول مجلس التعاون حتى تستطيع الولايات المتحدة التراجع إلى دورٍ مساعد في المنطقة»، وفقاً لمجلة «فورين آفيرز» الأميركية، وهذا ما عكسه اجتماع الرئيس الأميركي باراك أوباما بقادة الخليج في «كامب ديفيد» منتصف الشهر الماضي، إذ وعد الرئيس الأميركي بمساعدة «شركائنا في الخليج لرفع قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم» وأن حكومته «ستعجّل المساعدة العسكرية الأميركية لتلك الدول». لكن هل المقصود بتعزيز المساعدات دعم قدرة السعودية، التي تشكل حجر الأساس في الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة، على الانتصار في اليمن. بمعنى آخر الانتصار على حلفاء إيران في اليمن، وبالتالي على إيران؟

تختلف المقاربة والتمنيات السعودية عن تلك الأميركية في ما يخص اليمن، فالتورط في اليمن واختبار الاستراتيجية الأميركية غير المباشرة لإدارة الصراع والتفاوض مع إيران، وضعا السعودية في مواجهة احتمالات الغرق أكثر فأكثر في المستنقع اليمني، في ضوء عدم رغبة أوباما في توسيع المساهمة الأميركية في تحالف السعودية والتي تقتصر على الدعم اللوجيستي الاستخباري وطبعاً التسليحي، وانسحاب مصر وباكستان من التحالف «العشري» الافتراضي، وانتقال الحوثيين أنفسهم ومعهم الجيش اليمني من الدفاع إلى الهجوم ونقلهم المعركة إلى داخل الأراضي السعودية. الأمر الذي يضع الرياض على الجانب الخاسر من المعركة التي تخوضها، لكن من دون القدرة على توفير مخرج آمن لأمراء آل سعود الصغار، الذين يبدو أنهم مستعدون لسفك المزيد من الدماء لإثبات قدرة الجيل الثاني من آل سعود، الأحفاد، على الحكم، في مملكة قطع الرؤوس.

لا يمكن للسعودية أن تنسحب، وبالتالي فإنها عاجلاً أو آجلاً ستطلب زيادة الانخراط الأميركي في المعركة. فهل أوباما مستعد للتدخل المباشر من أجل حفظ حليفته؟

على رغم تغطيتها العدوان السعودي الخليجي الوحشي على اليمن، تدعو الإدارة الأميركية إلى العودة للحل السياسي في اليمن. هنا لا مؤشر حتى اللحظة على تشجيع الإدارة الأميركية لحليفها السعودي بالتدخل البري في اليمن، ويبدو أن هذا الأمر ناتج عن عاملين أساسيين:

ـ التجارب الماضية للسعودية في الصدام العسكري البري المباشر مع اليمينين، فضلاً عن تجارب التاريخ في التورط أو محاولة غزو اليمن.

ـ الاستراتيجية الأميركية لأمن الخليج التي يبدو أنها لم تتغير بشكل جذري منذ حرب الخليج الأولى عام 1990. إذ لم تلحظ حينذاك إمكانية نشوب صراع بالوكالة مع إيران يحمل طابعاً مذهبياً، كون العدو الأوحد حينذاك كان نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي غزا الكويت وهدّد السعودية.

تشاهد واشنطن ما يجري في اليمن وتدعو إلى الحل السياسي بانتظار تورط الرياض أكثر فأكثر ولجوئها إلى الباب العالي في واشنطن لوقف الحرب لا لزيادة التورط في اليمن. فيما لا يزال تقدّم «أنصار الله» والجيش اليمني مستمراً على أرض المعركة داخل اليمن وخارجه.

(البناء)