Get Adobe Flash player

 

قبل 15 سنة قام رئيس الحكومة ووزير الدفاع في حينه، اهود باراك، برهان كبير: أمر بالانسحاب أحادي الجانب لجيش الدفاع من جنوب لبنان، مع ترك جيش لبنان الجنوبي، الذي كان حليفا لإسرائيل. هذا كان خطوة اخرى في لعبة الدم التي لا تنتهي بين إسرائيل وحزب الله. وهذه اللعبة ما زالت بعيدة عن نهايتها، لكن يمكن تسجيل التقدير للخطوة الجريئة التي قام بها باراك.

قبل ذلك بأربع سنوات في عام 1996، في عهد شمعون بيرس كرئيس حكومة ووزير دفاع، خرج الجيش الإسرائيلي في عملية «عناقيد الغضب» ضد حزب الله التي انتهت باتفاق لوقف اطلاق النار بوساطة الامم المتحدة، حيث تعهدت المنظمة بعدم استخدام القرى اللبنانية من اجل ضرب اهداف إسرائيلية، وتعهدت إسرائيل بعدم قصف القرى اللبنانية. لكن حزب الله استمر بمهاجمة إسرائيل من تلك القرى في الوقت الذي التزمت فيه إسرائيل بالاتفاق وحاربت حزب الله بيد مكبلة. في السنوات الاربع التي تلت ذلك استمرت الحرب بين حزب الله وإسرائيل حيث سقط خلالها 24 جندي في كل سنة.

باراك أراد وضع حد لهذا الوضع. كانت حساباته بسيطة. بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الحدود لن يكون لحزب الله أي ذريعة لمهاجمة إسرائيل، وسيقتصر نشاطه على السياسة اللبنانية. ومن اجل ضمان ذلك أعلن باراك أن أي هجوم للمنظمة سيعقبه رد إسرائيلي باحراق الاراضي اللبنانية. مصادقة الامم المتحدة على انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الحدود الدولية ستمنح إسرائيل، كما اعتقد باراك، الشرعية المطلوبة لرد كهذه، وسيردع هذا الامر حزب الله عن مهاجمة إسرائيل.

لم تحدث الامور على هذا الشكل. حزب الله هاجم من جديد، لكن باراك لم ينفذ تهديده. وتحرشات اخرى أدت في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب لبنان الثانية، التي أطلقت فيها آلاف الصواريخ باتجاه إسرائيل وقتل 165 جندي ومواطن إسرائيلي. كان هذا تذكيرا بالمشكلة الكامنة في مفاهيم مثل «ردع»، عند الحديث عن المنظمات الإرهابية، و»شرعية» دولية لاعمال الجيش الإسرائيلي.

ليس واضحا اليوم اذا كان انسحاب عام 2000 قد أنقذ حياة الإسرائيليين. ما هو واضح أنه في أعقاب الانسحاب تم اعتبار إسرائيل أكثر ضعفا، وتفاخر حزب الله بما اعتبره انتصارا، وتحول إلى القوة الفاعلة في لبنان وبدأ في امتلاك كميات كبيرة من الصواريخ التي وجهها ضد إسرائيل.

ولم يفوت حسن نصر الله فرصة الاحتفال بـ «انتصاره». بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي بيومين أعلن في بنت جبيل في 26 أيار 2000: «نحن نهدي هذا الانتصار للشعب المقموع في فلسطين المحتلة، يا شعبنا… طريقكم إلى الحرية مقرونة بالانتفاضة… إسرائيل أوهن من خيوط العنكبوت».

وبعد اربعة اشهر اندلعت الانتفاضة الثانية التي تسببت بقتل أكثر من ألف إسرائيلي.

إن احدى مركبات ذلك الانسحاب المظلمة كان ترك جيش لبنان الجنوبي الذي قاتل جنوده لسنوات إلى جانب الجيش الإسرائيلي وتكبد خسائر تزيد على خسائر الجيش الإسرائيلي. ببساطة، إسرائيل خانتهم.

لكن التأثيرات الأكبر للانسحاب كانت بعيدة المدى.

حيث تخلت إسرائيل عن النظرية الامنية التي تعتبر أن واجب الدولة هو ضمان أمن السكان المدنيين. بسبب هذا صمم بن غوريون أن يدافع سلاح الجو الفرنسي عن سماء إسرائيل، قبل الموافقة على المشاركة في حرب سيناء. لهذا بادر مناحيم بيغن في 1982 إلى حرب «سلامة الجليل» من اجل الدفاع عن السكان المدنيين في الشمال في مواجهة الصواريخ التي أطلقت من جنوب لبنان.

كان هذا هو سبب تواجد إسرائيل لسنوات في الحزام الامني.

ومنذ ذلك الحين، دون ملاحظة ذلك، تسبب الانسحاب الإسرائيلي والمدى البعيد لصواريخ حزب الله في وضع أصبح فيه السكان الإسرائيليون جميعا تحت تهديد الصواريخ. اللعبة لم تنته بعد.

هآرتس