Get Adobe Flash player

 

يصف كثيرون التوتر الحاصل في العلاقات الروسية – الغربية، بأنه عودة إلى الحرب الباردة التي كانت قائمة بين الاتحاد السوفياتي والغرب قبل عام 1991. والمظاهر التي تؤكد صحة هذا الاستنتاج كثيرة، أبرزها العقوبات المفروضة على روسيا من قبل الولايات المتحدة وشركائها الغربيين وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا، إضافةً إلى الصراع غير المباشر في جبهات عديدة، ليست أوكرانيا ساحتها الوحيدة، بل ثمة ساحات أخرى، وفي مقدّمتها ساحات سورية والعراق، حيث تتعارض سياسة روسيا مع سياسات الحكومات الغربية تعارضاً كاملاً حول تقييم ما يجري وسبل الوصول إلى حلّ على الرغم من التصريحات التي يدلي بها بعض القادة الروس عن تقارب وجهات النظر مع الحكومات الغربية التي يسمّيها هؤلاء القادة بـ«شركائنا»، والأحرى أن يسمّونها بخصومنا، وصف شركائنا لا يعبّر عن حقيقة العلاقات القائمة بين روسيا والغرب، فكيف تكون موسكو شريكة للغرب وهي عرضة لشتى أنواع العقوبات التي أرهقت اقتصادها، حيث يسعى الغرب لزعزعة استقرارها؟

لا شك أنّ وصف المسؤولين الروس، أو بعضهم، للغرب بشركاء روسيا ينطوي على إطراء يفتقر إلى الدقة والموضوعية، وهو أقرب إلى النفاق السياسي إذا لم تكن هذه التصريحات نوعاً من أنواع السخرية.

لكن السؤال الأهمّ الذي يطرحه الكثير من المحللين أو المتابعين للشأن الروسي- الغربي، هل يستمرّ التوتر، أم أنّ ثمة إمكانية لوضع حد له في وقت قريب؟

من الواضح أنّ موسكو ليست هي المسؤولة عن التدهور الحاصل في علاقاتها مع الغرب، فروسيا تسعى إلى استعادة نفوذها التقليدي الذي تمليه الاعتبارات الجيو سياسية، وهو نفوذ يستمدّ شرعيته من طبيعة العلاقات الدولية ماضياً وحاضراً، ولا يمكن لدولة بحجم وقوة وتاريخ روسيا، أن تتجاهل مصالحها الحيوية، وتتخلى عن هذه المصالح وتقبل علاقات تبعية مع الغرب على حساب هذه المصالح. آجلاً أو عاجلاً، مع بوتين أو دونه، كان من الطبيعي أن تنهض روسيا وتخرج من التيه الذي وجدت نفسها فيه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وكان من البديهي ومن الطبيعي ومن ضمن القوانين الموضوعية التي تفرضها الاعتبارات الجيو سياسية أن تسعى روسيا، أولاً للدفاع عن وجودها في وجه محاولات السيطرة والإخضاع، وثانياً، تأمين خطوط دفاعية لهذا الوجود في محيطها المباشر، وكانت أحداث أبخازيا مع جورجيا ومن خلفها الغرب، والآن أحداث أوكرانيا.

يمكن للعلاقات الغربية – الروسية أن تتحسّن إذا قبل الغرب التخلي عن مطامعه في مجال النفوذ التقليدي لروسيا والتعامل معها كشريك حقيقي في العلاقات الدولية. لكن مثل هذا التطوّر يتنافى مع وجود الأنظمة الرأسمالية الغربية، القائمة على التوسع والاستئثار، وبالتالي ليس أمام روسيا من خيار سوى خيار الدفاع عن وجودها وعن مصالحها، وهذا يضعها في حالة تصادم، بصورة دائمة، ولن يأتي اليوم الذي تصبح فيه روسيا شريكاً للغرب، إلا إذا كان تعريف هذه الشراكة على شكل الشراكة التي جمعت الاتحاد السوفياتي مع الغرب بدءاً من الحرب العالمية الثانية وحتى لحظة سقوطه. ولا يبدو أنّ مثل هذه التوازنات تلوح في الأفق، لأنّ الغرب لا يزال ينظر إلى روسيا على أنها أضعف من أن تحظى بمكانة الاتحاد السوفياتي وتلعب الدور الذي لعبه في السياسة الدولية.

(البناء)