Get Adobe Flash player

 

بمناسبة ومن دون مناسبة يأخذ رئيس تركيا رجب طيب أردوغان معه المصحف الشريف في جولات انتخابية ليؤكد للناس أنه مؤمن وأنه يريد أصواتهم في مواجهة «الصوت الملحد».

الانتخابات النيابية التي ستشهدها تركيا في السابع من يونيو/حزيران المقبل هي انتخابات غير طبيعية وتكشف كم أن المجتمع التركي منقسم وكم أن قادته يتاجرون بدم الناس وبمالهم والأخطر بعقولهم وإيمانهم.

وليس من ضرورة للتذكير بأن الدولة التركية باتت دولة الحزب الواحد بنسبة عالية جداً، وأن القضاء أصبح ألعوبة بيد حزب العدالة والتنمية ورئيسه الفعلي رجب طيب أردوغان.

ولم يوفر أردوغان المؤسسة العسكرية من ضغوطه فوافقت معه على اعتبار جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولين تهديداً للأمن القومي التركي وأدخلوها في ما يسمى ب «الكتاب الأحمر» الذي يعتبر وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي تحدد التحديات والتهديدات. وبذلك يمكن لحكومة حزب العدالة والتنمية أن تمضي في تصفية هذه الجماعة بشتى الطرق القضائية فضلاً عن الضغوطات الإعلامية. وقد استفزت طريقة تعامل الحكومة مع الحريات نواباً في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين فبادروا إلى تقديم مشروع إلى لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس لدعوة تركيا إلى احترام الحريات ولا سيما الصحفية منها.

ومن القضاء إلى المؤسسة العسكرية حيث تم إيقاف العديد من الضباط بتهمة الولاء لغولين القاطن منذ عام 1999 في ولاية بنسلفانيا الأمريكية هرباً من العلمانية واليوم لا يقدر على العودة بعدما بات العدو رقم واحد للحكومة التركية.

وبذلك يواصل أردوغان تصفية وإضعاف خصومه بعدما وصل اليوم إلى تصفية الحسابات مع البيت الداخلي أي داخل الحركة الإسلامية في تركيا. ومن لم يتردد في تصفية رفيق دربه عبدالله غول وإبعاده عن الحياة السياسية لن يتردد في تصفية أي شخص آخر مهما كانت تسمياته.

وفي خضم الحملة الانتخابية ليوم السابع من يونيو/حزيران فإن أردوغان انتهك أهم مبدأ في موقع رئاسة الجمهورية وهو الحياد حيث يفرض الدستور على الرئيس أن يكون على مسافة واحدة من كل الأطراف المتنافسة. ولهذا إذا كان حزبياً فإنه يستقيل بعد انتخابه رئيساً للجمهورية من الحزب الذي ينتمي إليه. غير أن أردوغان أظهر خلال الحملة الانتخابية أنه لا يحترم الدستور ويقوم بمهرجانات انتخابية كما لو أنه رئيس حزب العدالة والتنمية، وهو بذلك لا يعير اعتباراً أيضاً لموقع أحمد داوود أوغلو رئيس الحزب والحكومة.

وإذا كان أردوغان يعتبر الانتخابات المقبلة بمثابة تمهيد لتعديل الدستور والانتقال إلى نظام رئاسي، فإنه حتى لو لم يفز الحزب بالعدد الكافي للنواب لتعديل الدستور لكن مع بقائه منفرداً بالسلطة، فإن أردوغان لن يضيره الكثير في هذا الأمر حيث إنه اليوم يمارس بالمصادرة وبقوة الأمر الواقع صلاحيات رئيس الحكومة ورئيس الأركان ورئيس البرلمان والوزراء مجتمعين وتحول إلى سلطان بكل معنى الكلمة، خصوصاً بعدما استكمل ديكور العظمة بإنشاء «القصر الأبيض» في أنقرة بغرفه ال 1200.

ولم يكن ينقص في انتهاك الدستور سوى أن يرفع أردوغان المصاحف في حملاته الانتخابية. وهو بذلك ينتهك أيضاً الدستور العلماني الذي يرفض استغلال الدين لغايات سياسية وهو المبدأ الأساسي في الأنظمة العلمانية.

ويصنف أردوغان الناس على أساس الالتزام بتعاليم القرآن من عدمه. ورغم أن أحد زعماء المعارضة يقول إنهم يتوارثون قراءة القرآن أباً عن جد فإن أردوغان يجد الحاجة لكي يأتي إلى المهرجانات الانتخابية غير الشرعية أصلًا وهو يحمل القرآن ويلوّح به للجمهور. فلماذا يجد أردوغان في نفسه الحاجة لرفع المصاحف؟ ألا يمكن أن يقوم بالحديث عن حب القرآن من دون رفعه؟ أليس ذلك تصنيفاً للناس بين مؤمن بالقرآن وغير مؤمن به؟ وهل من لا يرفعه في المهرجانات ملحد وكافر ومن يرفعه هو فعلاً مؤمن؟ أم أن أردوغان بات لا يختلف عن التنظيمات الأصولية المتطرفة التي تكفر كل من لا ينتمي إليها ولو كان من جلدها ورقبتها؟.

عندما تجتمع السلطة الثيوقراطية والدينية والدكتاتورية في شخص واحد فبالتأكيد يكون هو التهديد الأول للبلاد والمجتمع وللمنطقة ككل خصوصاً أنه مُصرّ على أن يعتبر عبدالفتاح السيسي انقلابياً ولن يعترف به أبداً رئيساً لمصر، منصباً بذلك نفسه مفتياً للشرعيات السياسية في المنطقة وهذا ذروة جنون العظمة.

(الخليج)