Get Adobe Flash player

 

المقال السابق الذي نُشرته في 12 مايو، وصف واقعا فريدا من نوعه، في إطاره يرفض رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الدخول في حوار من أي نوع مع الحكومة الأميركية بهدف تلقي حزمة تعويضات سخية، -ربما لا سابق لها- نتيجة للاتفاق المتبلور بين إيران والقوى الكبرى، والذي استدعى الكثير من ردود الفعل، ليس فقط من العاصمتين المعنيتين واشنطن وتل ابيب وإنما من قبل المنظومة الدولية برمتها، وخاصة أوروبا والشرق الأوسط .

إلى اليوم تعتقد جهات دبلوماسية رفيعة المستوى ان إسرائيل تنسق خطواتها مع السعودية، وليس من قبيل الصدفة ان الإسرائيليين يرفضون الدخول في حوار مع الأميركيين، وفي المقابل يقوم ملك السعودية بعملية علنية محرجة ويقول "لا" للرئيس الأميركي، وقال لي هذا الأسبوع مصدر دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى "تعمل إسرائيل ضد الاتفاق على جميع الساحات، وليس فقط في الكونغرس الأميركي، وإنما في الخليج أيضا، المسيرة الإسرائيلية تدعم المسيرة السعودية، وبالعكس". بكلمات أخرى: إسرائيل تعيش ذروة حرب دبلوماسية عالمية (سرية في جزء منها) ضد الولايات المتحدة، في هذه الحرب إسرائيل بالذات هي من تقود.

الأميركيون يئسوا من فهم منظومة حسابات نتنياهو ومبرر تحركه، وأصبح من ناحيتهم لغزًا محيرا، حسب فهم الأميركيين نتنياهو على وشك ان يخسر كل شيء، وأن يفوت فرصة كبيرة للتحديث الاستراتيجي، وليت الأميركيين يفكرون في أنفسهم بأن نتنياهو يعلم انه إذا أنجز الاتفاق مع إيران فإن الرئيس سيمرره الى الكونغرس، وبالتالي لا فرصة لنتنياهو بأن يوفر أغلبية من ثلثي أعضاء الكونغرس ومجلس النواب ليستطيع لجم هذا الاتفاق.

"تدخل نتنياهو في السياسة الأميركية الداخلية، والخطاب الذي ألقاه أمام مجلسي الكونغرس في 3 مارس في مواجهة لا سابق لها مع الرئيس، كان له دور في معسكر أوباما، إذ وحد الأقلية الديمقراطية" وقال مسؤول في واشنطن ضليع في ما يجري، "بقي أمام نتنياهو الآن محاولة الاستفادة من الوضع لصالح تحقيق ما يمكنه من العقارات الاستراتيجية من أجل أمن إسرائيل القومي، وهذا يجب أن يقوم به الآن، يجب ضرب الحديد وهو ساخن، ولكن نتنياهو يتصرف مثل شخص يتنصل من كل شيء، ويعرف ما لا يعرف الآخرون".

من حول نتنياهو، هناك من ينبري للتفسير "الذهاب الى المفاوضات بشأن حزمة تعويضات الآن مع الحكومة الأمريكية" كما يقول مسؤول سياسي إسرائيلي "يعتبر نوعا من الموافقة الإسرائيلية، وإن كان بالسكوت على الاتفاق المتبلور مع الإيرانيين، هكذا يبدو الأمر" وتابع المسؤول"، مرفوض من الناحية الاخلاقية بالنسبة لنتنياهو الذي أقسم ان يقاتل ما وصفه بـ "التراجيديا التاريخية" بكل ما أوتي من قوة، وحتى النفس الأخير، وربما بعد ذلك أيضا، لن يوصم بأي شكل من الأشكال بالموافقة على هذا الاتفاق، ليس بالفعل ولا الاغفال، والحقيقة ان نتنياهو ليس الوحيد الذي يتصرف بهذه الطريقة، وإنما عدد من حلفاء الولايات المتحدة المهمين في المنطقة" أضاف المسؤول.

شاركت شخصيات أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى في مجال الاستخبارات قبل عدة شهور في "لعبة حرب" أقيمت في أحد المراكز الفكرية الكبرى في الولايات المتحدة، تتخيل اللعبة سيناريوهات مختلفة للمفاوضات بين القوى الكبرى وإيران ضمن التمرن على أساليب تحرك مختلفة، وحتى إمكانية تدهور شديد، وصولًا الى المواجهة العسكرية.

الشخصيات الإسرائيلية لم تلعب دورا في اللعبة ذاتها، ولكن عندما سألناها عن رأيها قالت (ليس هذا اقتباسا دقيقًا) انه "لا يمكن الذهاب الى مفاوضات مصيرية من هذا النوع دون عصا، القوى الكبرى وسيما الولايات المتحدة يلعبون فقط باستخدام الجزرة، تخيلوا انه وذات ليلة يصيب صاروخ من طراز "توم اهوك" غير معروف مصنعًا لإنتاج أجهزة الطرد المركزي في إيران، بعد عرض فيديو قبلها يؤكد ان المكان خالٍ أثناء الليل دون وقوع إصابات في الأرواح، هكذا ببساطة في منتصف الليل يدمر موقع بناء حساس ذو علاقة بالبرنامج النووي الإيراني دون ان يتبنى أحد المسؤولية الواضحة عن العملية، ماذا سيفعل ذلك للمفاوضات مع الإيرانيين؟ ماذا سيفعل ذلك بالمرونة الإيرانية؟"، وحسب أقوال الشخصيات الاسرائيلية الرفيعة المستوى فإن "الولايات المتحدة ذهبت الى المفاوضات مع إيران كدولة راعية وليس كدولة كبرى، بينما تتصرف إيران وكأنها دولة عظمى غير قلقة من انعكاسات أفعالها".

في حوار خاص مع "المونيتور" قال مسؤول إسرائيلي "بعد كل جولة مفاوضات مع إيران، يعود الأميركيون الى بلادهم ويشرعون بمجهود يائس للمزيد من الليونة في موقفهم، ويفكرون بحلول خلاقة، فيتنازلوا هنا وهناك، ويحاولون إيجاد قطع حلوى أخرى ليقدموها للإيرانيين.

ماذا تفعل إيران بعد كل جولة من المباحثات؟ لا شيء، يعودون إلى بلادهم ولا يقومون بشيء ولا يتزحزحون عن موقفهم وليسوا قلقين، لا يمكن إدارة المفاوضات بهذه الطريقة، الحقيقة الأبرز هي ان الإيرانيين علقوا برنامجهم العسكري في العام 2003 عندما اجتاح الجنود الأميركيون العراق، لا يحث أحد الولايات المتحدة على اجتياح أي مكان، ولكن لا شك ان إيران تحترم القوة وتفهم القوة، والحقيقة انهم يفهمون ومقتنعون ومتأكدون انه لا نية للولايات المتحدة باستخدام الخيار العسكري، ولا مخرج أمامها سوى إنجاز الاتفاق، وهذا الأمر يسير لصالح إيران".

بين الجانب الإسرائيلي السعودي وبين الأميركيين توجد الآن هاوية لا يمكن جسرها تقريبا، الأميركيون متمسكون بموقفهم: لا بديل عن الاتفاق مع إيران حاليا، هذا هو الوضع القائم ويجب ان يحقق أقصى مزاياه وخفض عيوبه قدر الإمكان، وفي حال أنجز الاتفاق سيصدقه الرئيس في الكونغرس، وفي حال عدم حدوث ذلك أيضا فلا مجال لمنعه، إذ انه لن تتوفر أغلبية الثلثين ضده.

في الوضع الراهن هناك نافذة للنوايا الحسنة لدى الحكومة الأمريكية، وهي ان بإمكان إسرائيل ان تحقق إنجازات كبيرة جدا في ما يتعلق بأمنها القومي، وسيكون من الممكن القيام بحوار، والتحدث عن مساعدة أمنية وعسكرية، وعن أساليب الرد لحالات اختراق الاتفاق من قبل إيران، وعن الرد الإسرائيلي، وعن شروط تشديد العقوبات من قبل الولايات المتحدة، وعن سياسة مشتركة والرد على استمرار استفزازات إيران في الشرق الاوسط عمومًا، وفي الدول المحيطة بإسرائيل على وجه الخصوص.

نتنياهو يتخلى عن هذا كله بتلويح رافض من يده، الآن هو لا يعتبر أوباما، وربما تخلى تماما عن الرئيس ويعد لنفسه الأشهر الباقية له في البيت الأبيض لحين وصول خليفته، وعلى أية حال ففي واشنطن مقتنعون بأنه لا يدور الحديث عن رد عقلاني، وإنما حساس أو ربما حتى نفسي.

في هذه الأثناء يتجهز نتنياهو لتسونامي سياسي متنامي سيحط على إسرائيل، البراعم الأولى قد بزغت، وتلقى نتنياهو في الأيام القليلة الماضية معلومات حول المآزق في واشنطن حول تجديد المبادرة السلمية بكامل القوة أو الاكتفاء بقرار مجلس الأمن (دون فرض الفيتو) أو هجر القصة برمتها والاستسلام، نتنياهو من جانبه سيبذل قصارى جهده لكي يرفع الأمريكيون أيديهم.

http://www.informationclearinghouse.info/article41903.htm