Get Adobe Flash player

 

انسحب تنظيم «داعش» من مدينة تدمر في سورية عبر رتلٍ مؤلّفٍ من ثمانين سيارة، قام سلاح الجو السوري باستهدافها موقِعاً في صفوفها خسائر كبيرة. وبُعيد الانسحاب، أُعلنت سيطرة الجيش السوري والقوات الرديفة على قرية العامرية في محيط مدينة تدمر، فيما وردت أنباء عن اقتراب القوة المهاجمة من مدينة السخنة التي تبعد حوالى ثمانين كيلومتراً عن تدمر، والتي شكّلت قاعدة انطلاق لهجوم «داعش» الأخير على المدينة السورية الاستراتيجية الواقعة على مثلث حمص ـ الرقة ـ دير الزور.

انسحب «داعش» بعد ارتكابه مذبحة بحق المدنيين والعسكريين وعائلاتهم في مساكن الضباط وبلدة العامرية وغيرها من المناطق التي استطاع التنظيم التوغّل فيها. جاء ذلك بعد تعزيزات تمَّ الدفعُ بها من قبل الجيش السوري، استطاعت صدَّ الهجوم. وعطفاً على تراجع «داعش» في بعض مناطق ريف الحسكة في مواجهة الجيش السوري والأكراد، من دون أن نغفل الوضع الميداني في العراق بعد عودة تكريت والهجوم والتضييق المتواصليَن على التنظيم في محافظة صلاح الدين في العراق، يمكن القول إن التنظيم الذي حاول بدخول الرمادي في العراق وتدمر في سورية تحقيق إنجاز تكتيكي في الذكرى الأولى لتأسيس دولته المزعومة، فشل أقله في سورية، وبالتالي بقي التنظيم في حالة دفاع من دون إمكانية تحقيق الانتقال الملموس إلى الهجوم، لكن ما أسباب هذا الفشل ومؤشراته:

ـ الهجوم على تدمر جاء بغرضٍ دعائيّ نفسيّ يهدف إلى الحفاظ على حيوية التنظيم وقدرته الجاذبة على التجنيد، وكالعادة تمت مواكبته بتغطية إعلامية احترافية من قبل التنظيم أظهرت عنفه اللامحدود في مواجهة خصومه من المدنيين والعسكريين، وقوّته التي تستخدم فيها العمليات الانتحارية الضخمة وهو ما يساهم في تعزيز صورته.

ـ في مواجهة هذا الدفق الدعائي يخفي التنظيم عجزاً عن الاستمرار في الهجوم والثبات في المناطق التي احتلها، وهو ما حصل في تكريت وتدمر. وهنا يقول مايكل نايتس من مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت «على مستوى العمليات يبدو أن هناك فرصة ضئيلة لقيام سلطة مركزية، وبدلاً من ذلك فإن العمليات العسكرية التي يقوم بها داعش أصبحت أكثر تفككاً ومحلية من حيث نطاقها وحجمها منذ سقوط الموصل».

ـ عدم القدرة على مواجهة دفق القوة المدافعة والتعزيزات العسكرية الداعمة لها في حال النزوع بسرعة إلى مواجهة هجمات «داعش» على مناطق جديدة ضماناً لتمدّده. وهنا يحضر مثال ما جرى في مدينة تدمر السورية ليبرهن هذا الأمر، فالقوة المدافعة عن المدينة قاومت بشكل بطولي، واستُقدمت تعزيزات على عجل ما دعّم القوة المدافعة ونقلها باتجاه الهجوم، وهو ما أدركه التنظيم جيداً. لذلك نرى انه انسحب على الفور من المدينة كاشفاً القوة المنسحبة لغارات سلاح الجو السوري، وهو ما يلحظ أيضاً في العراق في مدينة تكريت حيث أجبر الحشد الشعبي التنظيم على الانسحاب من المدينة. وبحسب نايتس، «في الواقع، عندما يرى التنظيم أنه تمَّ التفوق على أعداده، غالباً ما يتخلى عن الأراضي الخاضعة لسيطرته لتتناسب مع الاحتياجات العملياتية الخاصة به، وتصدر عنه إشارات مفادها أنه يدرك بأنه سيُقصى في وقت قصير من المناطق التي هوجمت. ونظراً إلى الافتقار الأساسي للقوة العسكرية، لا يستطيع تنظيم داعش الدفاع عن الأراضي من خلال فرض طوق حولها، إذا قامت أعداد كافية من المهاجمين بشن هجمات».

ـ منذ الهجوم على الموصل والرقة لم يستطع «داعش» تحقيق إنجازات نوعية في سورية والعراق، بل تراجعت قدرته على ضمّ مناطق جديدة إلى الدولة المفترضة التي أقامها. ولوحظ في هذا السياق ارتباك «داعش» في مهاجمة المناطق الحضرية التي لا تحتوي على بيئة حاضنة له من جهة. ومن جهة أخرى لا يملك فيها عمقاً لوجستياً وبشرياً في المناطق النائية والريفية المحيطة بها، هنا تجدر الإشارة إلى أن الأنباء الواردة من تدمر أفادت بتطوّع مئات الشباب في المدينة للدفاع عنها في مواجهة «داعش.»

في ظلّ إدراكه ضعف قدراته في التمركز والسيطرة، يعمد تنظيم «داعش» إلى شنّ هجمات مضادة تكتيكية للحفاظ على صورته والإيحاء بتحقيق إنجازات ميدانية، وينسّق غالبية هجماته تحت جنح الظلام هرباً من التفوق الجوي لخصومه، لكن الأساس يبقى في مواجهة هذا التنظيم، القدرة على الحشد الكمّي في مواجهته. فاعتماده على الوحدات الصغيرة في التمركز والسيطرة لا يتيح له الدفاع عن مواقعه لفترات طويلة، من دون أن نغفل قوة التنظيم في المناطق التي يملك فيها حاضنة شعبية. وعليه، فإن التنظيم أصبح محدود الحركة في المناطق التي لا يملك فيها مقوّمات التمركز، فيما مناطق البيئات الحاضنة لا تزال توفر له مساحات التمدّد كما حصل في الرمادي في العراق، لكن الدفاع في مواجهة الحشد الشعبي والجيش السوري معطىً جديد لا يجوز إغفاله في معادلة الصراع مع التنظيم الإرهابي.

(البناء)