Get Adobe Flash player

 

اذا اردت ان تعرف اهمية ما يفعله حزب الله في القلمون، يكفي فقط متابعة تصريحات قيادات تيار المستقبل او الاستماع الى وسائل الاعلام الممولة من السعودية ودول الخليج، أما ما يجري وراء «الكواليس» فيعطي المرء دليلا قاطعا على ان حالة «الهلع» الهستيرية قد تكون مبررة لدى من يرى مشروعه الجديدة «لاستعادة» سوريا يتهاوى بفعل تدخل المقاومة المحسوب بدقة في الزمان والمكان المناسبيين وهذه المرة في التوقيت المناسب ايضا.

الساعات القليلة الماضية كانت حافلة بمحاولات الحد من الخسائر بعد ان ايقن «التيار الازرق» ان ما «كتب قد كتب» وحزب الله ماض حتى النهاية في معركة قد يكون البيان الرسمي الاول عنها هو اعلان انجاز اهدافها، وبحسب اوساط بارزة في 8آذار فان محاولة تحييد الجيش والضغط لنزع «الصفة الوطنية» عن مهمة الحزب تتواصل، لكن «التيار الازرق» لم يحصل على اي ضمانة في هذا السياق، خصوصا ان انتشار مواقع الجيش في هذه المنطقة يجعله على تماس مع المسلحين، ولن تقف الوحدات العسكرية مكتوفة اليدين امام اي تجاوز متوقع من قبل هؤلاء «لقواعد» الاشتباك الحالية، وهذا ما سيؤدي عمليا الى «شراكة» موضوعية بين المقاومة والجيش في هذه المواجهة المفتوحة، وهذا الامر لا يحتاج الى تغطية سياسية يحاول تيار المستقبل حجبها مسبقا. وفي المقلب الاخر يحاول تيار المستقبل تحييد عرسال من تداعيات حرب القلمون، وهذا ايضا غير مضمون لان الامر يتوقف على كيفية تصرف القوى الفاعلة داخل البلدة، ومدى قدرتها على التحكم بمخيمات اللاجئين السوريين هناك، فلا احد يريد فتح «جرح نازف» في المنطقة، ولكن لن يكون مقبولا ان يتم استخدام عرسال «كحاضنة» للارهاب التكفيري وموقع متقدم له داخل الاراضي اللبنانية.

وبحسب اوساط ديبلوماسية في بيروت، لم تتوقف «الضغوط» عند هذا الحد، فالاتصالات خلال الساعات الماضية تكثفت مع السفارة الاميركية في بيروت، لكن عدم الاستجابة لالحاح عدد من قيادات قوى 14 آذار لعمل ديبلوماسي جاد يتمخض عنه موقف دولي موحد يحمل صفة بيان في مجلس الامن لمطالبة حزب الله عدم التدخل في الحرب السورية والانسحاب الى داخل الاراضي اللبنانية، كان صادما لمّا راجعوا السفارة، فقد لمس هؤلاء اختلاف المقاربات بين السعودية وواشنطن، طبعا السفير الاميركي ديفيد هيل حاول شرح خلفيات الاستراتيجية الاميركية لحلفائه في بيروت، وتحدث عن معادلة «الاغراق» اي توسيع «الوعاء» الاقليمي لتورط حزب الله العسكري في المنطقة مما سيؤدي حتما الى «غرقه» لانه ووفقا للرؤية الاميركية بات يخوض حربا تفوق قدراته، ونصح من راجعه الى عدم الاستعجال في توبيخ ادارته واتهامها بالتواطؤ مع «المشروع الايراني» في المنطقة لانها اتهامات ساذجة ولا تنم عن «بعد نظر» في استقراء المشهد الاقليمي.

لكن هل اقتنع هؤلاء بكلام السفير الاميركي؟ طبعا لا، بحسب الاوساط، فهو اما يمارس «الخداع» المعتاد للاميركيين عندما يحاولون تبرير تغيير استراتيجيتهم في المنطقة، او انه تعبير صادق عن «سذاجة» اميركية لم تدرك بعد ان تعاملها مع الكيانات السياسية والعسكرية في المنطقة شيء، والتعامل مع حزب الله شيء آخر، وثمة خلاف واضح حول الرؤية الاستراتيجية لكيفية تعديل ميزان القوى في المنطقة، فسوريا بالنسبة للسعوديين تعتبر اليوم «قبلة» التغيير المنشود، واسقاط النظام السوري تعتبر «حجر الزاوية» لاستعادة الندية مع طهران التي تتنازع مع المملكة على نفوذها التاريخي في اليمن، ومهما انتهت اليه «عاصفة الحزم» او عملية «اعادة الامل» من نتائج، فان الخسارة السعودية هناك قد وقعت منذ «الطلقة الاولى» لان اي تسوية سياسية لن تحصل دون ايران، ولا تملك المملكة التعويض الا في دمشق، وهنا يأتي دور حزب الله «العقبة الكبرى» امام تحقيق هذا المشروع، هذا ما حصل في الاشهر الماضية عندما تدخل بعد اغتيال القيادات السورية في دمشق ومنع سقوط العاصمة، وساهم في استعادة حمص المسماة «عاصمة الثورة» بعد العملية النوعية التي انطلقت في القصير ولم تتوقف تداعياتها الا بتامين كامل المدينة التي تشكل قلب سوريا وعقدة المواصلات بين المحافظات، واليوم وصلت «نخبة» قواته الى الشمال لاجهاض مشروع «جيش الفتح»، وبدأ عمليات «القضم» في القلمون لافقال هذه الجبهة نهائيا وحماية الاراضي اللبنانية ومعها العاصمة السورية من «المغامرة» الجديدة التي يعد لها السعوديين بالتنسيق مع القطريين والاتراك، ولهؤلاء «ثأر» قديم مع حزب الله لانهم يحملونه المسؤولية المباشرة عن «اجهاض» مشروع «الاخوان المسلمين» في المنطقة حين وضع ثقله لمنع سقوط الدولة السورية فاختل التوازن واختلف «الشركاء» فسقط «الاخوان» في مصر وتراجعوا في تونس، وانتهى «حلم» رجب طيب اردوغان باستعادة مجد «الخلافة».

يعرف تيار المستقبل ان الامر لا يتعلق بموازين قوى محلية تضيف الاوساط، لم يعد قادرا على مجاراة حزب الله فيها، فالعيون شاخصة الى الاقليم والى موقع طهران المتقدم على جيرانها الخليجيين، فقمة كامب ديفيد بعد يومين لن تحمل معها سوى المزيد من «الابتزاز» المالي لهذه الدول تحت عنوان تعزيز المظلة الامنية المشتركة ، فالادارة الاميركية ماضية في تقديم التنازلات الاقليمية لايران تحت عنوان الاعتراف بدورها في المنطقة، ولتسهيل الاتفاق النووي معها سيكتفي اوباما بتقديم وعود بالمزيد من مبيعات الأسلحة، والاعلان عن استعداد واشنطن للدفاع عن دول الخليج في حال تعرضها لتهديد من الخارج، ولكن من قال ان ايران تريد شن الحرب على هذه الدول؟ وهل مشكلة دول الخليج مع ايران هي الخوف من حصول مواجهة مباشرة معها ام عدم قدرتها على الفوز في الحروب التي تخاض «بالوكالة»؟ وهي حروب لم يقدم الاميركيون فيها اي دعم جدي للحلفاء بل يستمرون في لومهم في السر والعلن حول الاخفاق في التوافق على استراتيجية موحدة لمواجهة الايرانيين، واغفال الازمات الداخلية والاخطار المرتبطة بتنامي التطرف داخل مجتمعاتهم.

وانطلاقا من هذه المعطيات تدرك دول الخليج ومعها الحلفاء في لبنان ان الرهان على «نظرية» الاغراق الاميركية لحزب الله في «وحول» المنطقة ليست مجدية، فالحزب اثبت جدارته الميدانية وقدرته على تغيير المعدلات والمعطيات على الارض، فالسيد نصرالله يشكل «رافعة» اساسية في الحرب الدعائية والنفسية، وهو لا «يبيع» السوريين كلاما وعندما خرج مؤخرا ليقول ان مجاهدي المقاومة لن يتركوهم وسيذهبون الى اي مكان للدفاع عن الدولة السورية، كانت القوة الضاربة في حزب الله قد بدأت نشاطها الميداني واوقفت زحف «جيش الفتح» في الشمال، وبدأت عملية استعادة ما تمت خسارته، اما على الحدود اللبنانية فان طرد المجموعات المسلحة ليس الا مسألة وقت، لان «خصوم» السيد نصرالله يدركون انه لم يكن ليضع مصداقيته على المحك لولا ادراكه بان الامور محسومة، ويدركون ان اطلالته جاءت بعد ان انهى قادة غرفة العمليات في الجبهة الشرقية كامل التفاصيل الخاصة بالعملية العسكرية مع التقديرات النهائية بالموعد المقرر لانتهائها مع تقديرات واضحة بالخسائر المتوقعة. اما التوقيت فلا شك ان العوامل المناخية تلعب دورا هاما في تحديده لكن الاهم هذه المرة ان لدى الحزب «صورة» واضحة وشاملة ورؤية اوسع لمايجري في المنطقة، وهذا التحرك الان هو رد مباشر على المحاولات السعودية لاستدراج الاميركيين الى «فعل» شيء في سوريا لتعديل موازين القوة «كجائزة» ترضية مقبولة في مقابل التفاهم النووي مع ايران، فالسعودية في سباق مع الوقت لتقليم «اظافر» طهران قبل التوقيع النهائي في حزيران المقبل، لكن المفاجئة جاءت مرة جديدة من الحدود اللبنانية حيث ينجح حزب الله مرة جديدة «بقلب الطاولة» ويعيد «خلط الاوراق».

(الديار)