Get Adobe Flash player

 

لكلّ سياسة دينامية، وهذه الدينامية قد تقود، وغالباً ما تقود، إلى عكس ما يسعى إليه المخططون وراسمو معالم هذه السياسة. فإذا كانت أهداف «الفوضى البناءة» التي كانت ترجمتها على الساحة العربية الحروب التي تجتاح أكثر من 90 في المئة من الدول العربية قد تحققت وفق ما رسمه المخططون، إلا أنّ نتائجها، وحتى أعراضها الجانبية لا تصبّ كلها في مصلحة واشنطن وتل أبيب، بل يمكن القول إنّ بعض تداعياتها تشكل تهديداً استراتيجياً لمصالح هاتين الدولتين لم يكن في حسابهما عندما أطلقوا سياسة «الفوضى البناءة» وأشعلوا فتيل الحروب في المنطقة، ومن أبرز هذه النتائج التي لم تكن في حسابات واشنطن وتل أبيب:

أولاً، اقتراب خروج العراق كلياً من دائرة التبعية والهيمنة الأميركية، واقترابه أكثر من منظومة المقاومة والممانعة، ولعلّ الصراخ المتعالي عن النفوذ الإيراني في العراق أوضح دليل على هذه الحقيقة، لا سيما أنه لم يعد للولايات المتحدة من قوى مؤيدة ذات وزن حقيقي في العراق، وحتى نفوذ الأخوين النجيفي آخذ بالزوال بعد تسليم مدينة الموصل وكلّ محافظة نينوى لتنظيم «داعش»، وعجزهم عن تجهيز قوات قادرة على استعادة المحافظة، وهم آجلاً أم عاجلاً سوف يضطرون للاستعانة بقوات الحشد الشعبي التي تجاهر بانتمائها إلى قوى المقاومة والممانعة، لتخليص المحافظة من سيطرة «داعش» واضطهادها المشين لسكان المحافظة وتحويل حياتهم إلى جحيم لا يُطاق، مثلما يستنجد سكان ووجهاء الأنبار الآن بقوات الحشد الشعبي.

ثانياً، خسارة اليمن بما يمثله من موقع استراتيجي، ولعلّ هروب القوات الأميركية من قاعدة العند الجوية، وانسحاب قطعها البحرية من ميناء عدن، دليل واضح على هذا التحوّل الاستراتيجي الكبير في معادلة التوازن بين منظومة المقاومة والممانعة من جهة، والمنظومة الأخرى التي تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، لا سيما بعد أن بات باب المندب تحت سيطرة قوى حليفة لمنظومة المقاومة والممانعة وفي مقدّمتها إيران.

ثالثاً، اقتراب خطر الاضطرابات والحروب من المملكة العربية السعودية، وإذا كان مفتاح النجاة من الحرب بيد حكومة السعودية، إذا أوقفت حربها على اليمن قبل أن ينتقل حريقها إلى داخل المملكة سواء بالتقاصف المدفعي والصاروخي مع أنصار الله والجيش اليمني، أو اقتحامات برية متبادلة على الحدود اليمنية السعودية، إلا أنّ ذلك لا يحول دون تسجيل، منذ الآن، حقيقة أنّ السعودية باتت محاصرة وحتى مستنزفة بعد حربها على اليمن.

رابعاً، تعاظم قدرة الردع عند فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين في مواجهة الكيان الصهيوني، ولعلّ حرب غزة عام 2014، وعملية المقاومة ضدّ العدو الصهيوني في مزارع شبعا اللبنانية أسطع دليل على هذه الحقيقة.

(البناء)