Get Adobe Flash player

 

لم تنجح «عاصفة الحزم» حتى الآن في شلّ حركة الحوثيين والجيش اليمني أو منعهم من بسط سيطرتهم على عنق عاصمة محافظة شبوة، أو من التغلغل في خور مكسر في عدن، أو المنشآت النفطية في الحديدة وغيرها. فالعاصفة المزعومة ربما تكون قد أربكت خطوط إمدادهم جزئياً ودفعتهم لتغيير بعض خططهم، وربما تكون قد شجعت العناصر الانفصالية على اللعب بالسلاح، لكنها لم تستطع قلب موازين القوى على الأرض بشكل جذري أو حاسم، ولن تستطيع قلبها ما دامت تفتقد لعنصر الهجوم البري الذي امتنعت مصر وباكستان وتركيا عن التورط فيه، والذي لا تستطيع ولا تجرؤ قوات آل سعود على أن تحمل درعه.

أما ما نجحت «عاصفة الحزم» في القيام به فعلاً فهو: 1 قتل اليمنيين وتشريدهم والشروع بتدمير اليمن وبناه التحتية ومدنه ومدارسه ومستشفياته ومؤسساته الحكومية. 2 إيجاد حيز أوسع لتمدد «القاعدة» و«داعش» في اليمن، بخاصة بعد فيديو «داعش» قبل أيام، الذي يوثق جريمة تصفية 15 جندياً يمنياً، منهم أربعة بقطع الرأس، في شبوة، والفيديو الداعشي الذي سبقه بأيام الذي يوجه تهديداً مباشراً للحوثيين «جئناكم بالذبح»! . 3 دفع القوى اليمنية المناهضة للحوثيين والجيش اليمني للارتماء في أحضان آل سعود ورفع سقف توقعاتها بشكل لا عقلاني يعطل إمكان حل الأزمة اليمنية سياسياً في المدى المنظور.

نجحت «عاصفة الحزم» أيضاً في دفع الكثير من المواطنين اليمنيين والعرب الذين كانوا قد امتعضوا من سيطرة الحوثيين على صنعاء وغيرها للتعاطف معهم، أو لإعطاء الأولوية لإدانة العدوان السعودي الغاشم على اليمن على الأقل، وقد تجلى ذلك مثلاً في مواقف مناهضة للعدوان السعودي برزت بوضوح عبر الإعلام المصري، كما تجلى عبر صفحات الكثير من المواطنين اليمنيين على فايسبوك وغيره، ولعل مشهد أكبر ترسانة للأسلحة الغربية في المنطقة، وهي تلقي بأحمالها الجهنمية على اليمن العربي وشعبه ومدنه، لا يمكن إلا أن يثير حنق أي مواطن عربي شريف، بخاصة عندما تكون «الأضرار الجانبية» للعدوان ذات أبعاد كارثية إنسانية لا تتناسب مع أهدافه السياسية القاصرة… إلا إذا كان الهدف الفعلي تدمير اليمن نفسه، واخضاعه وتفكيكه، وهو ما يبدو أنه الهدف الحقيقي للعدوان، بعد أكثر من 2500 غارة على اليمن المعذب.

الأمر غير المفهوم حتى الآن هو غياب أي رد منهجي مباشر من قبل الحوثيين والجيش اليمني على العدوان السعودي، باستثناء ما تناقله بعض المواقع الإخبارية عن اقتحام لقاعدة الخميس الجوية في 12 نيسان 2015، والاشتباكات الحدودية في منطقة نجران في نهاية الشهر الفائت التي قُتل فيها أربعة جنود سعوديين، وما رشح عن اشتباكات في منطقة جازان ونجران ليلة 4 أيار 2015 بين مقاتلين قبليين يمنيين والجيش السعودي.

وكان السيد عبد الملك الحوثي قد أكد في كلمة متلفزة يوم 19 نيسان 2015 حق الشعب اليمني بـ«مقاومة العدوان بكل الوسائل المتاحة»، ثم جاء الإعلان السعودي بوقف العدوان على اليمن بعد ذلك الخطاب بيومين فحسب!

رحب البيت الأبيض في واشنطن فوراً بإعلان وقف الضربات الجوية السعودية لليمن ودعا للحل السياسي، ما يعكس اختلاف سلم الأولويات بين أجندة التفاهم مع إيران واحتواء التمدد التكفيري عند إدارة أوباما والأجندة الطائفية الحربجية للتكتل السعودي القطري – التركي، من دون التقليل، في ظلال القنابل العنقودية الأميركية الملقاة على اليمن، من مساحات التقاطع بين الطرفين، فالولايات المتحدة، في النهاية، هي الحاضنة الدولية لتلك الرجعيات الإقليمية التي ترى نفسها مهددة مما تعتبره سياسات رخوة عند إدارة أوباما في الإقليم في سياق تركيزها على محاربة صعود روسيا والصين كونياً. فالإدارة الأميركية اليوم تلعب مثلاً لعبة الرخي مع كوبا والشد مع فنزويلا، لتفكيك التحالف الأميركي- اللاتيني المناهض لها، كما تلعب لعبة الرخي مع إيران والشد مع روسيا، التي تستهدف أيضاً تعزيز وضع المعتدلين الإيرانيين على حساب المحافظين، ومحاولة تحييد إيران ودفعها للتفاهم بما يتجاوز النووي على المعادلة التالية: أغلب العراق مقابل سورية واليمن، وهو ما يرفضه المحافظون في إيران، ما يدفع الولايات المتحدة لتسهيل الضغط الميداني في اليمن وسورية، مع محاولة التفاهم مع إيران على ضرب «داعش» في العراق.

السعودية وقطر وتركيا في حالة انفلات في سورية، لكنه يبقى إلى الآن انفلاتاً تحت عناوين تبدو ظاهرياً عناوينَ محليةً سوريةً مثل «جيش الفتح»، لا عبر ضربات مباشرة، على رغم التلويح بها، أما الانفلات السعودي-الخليجي في اليمن فيأخذ شكلاً مباشراً، ولهذا فإن لليمن حقَ الرد عليه بشكل مباشر، بخاصة أن التكتل السعودي القطري – التركي غير معني بالتفاهم أو بتسوية سياسية، بل بمشروع طائفي دموي متخلف، ولهذا لم يتوقف العدوان السعودي على اليمن بعد إعلان وقفه، بل اتخذ أشكالاً جديدة، فالسعودية لا تريد حلاً سياسياً في اليمن، بل تريد أن تستعبده. ومن هنا أيضاً دفع النواب الجمهوريين الأكثر انسجاماً مع سياسات آل سعود في الإقليم في لجنة القوات المسلحة الأميركية باتجاه تسليح السنة والأكراد مباشرة، الأمر الذي يعني موضوعياً تفكيك العراق.

العبرة أن ثمة هامشاً للرد على العدوان السعودي المباشر على اليمن، وثمة ضرورة للرد عليه، لأنه لن يتوقف من تلقاء نفسه ما دام بلا تكلفة محلية. وثمة ضرورة أن يكون مثل ذلك الرد يمنياً وعربياً صرفاً، لا إيرانياً مباشراً، لكي لا يتضخم إلى حرب إقليمية كبرى بين السعودية وإيران، ولكي لا يفقد الحوثيون والجيش اليمني أفضليتهم المعنوية في الصراع. كذلك ثمة إمكان لرد يأخذ مثلاً شكل قصف صاروخي أو عمليات اقتحام وانسحاب، أو لأي رد آخر يراه اليمنيون مناسباً، لكن لا بد من رد ما، قبل أن تُدمر البقية الباقية من اليمن… وسورية.

(البناء)