في مناطق الضفة وفي غزة تجري لسنوات طويلة حرب ليست استمرارا للسياسة بطريقة اخرى بل هي السياسة نفسها. ولما كانت أجندة حكومات اسرائيل منذ عشرات السنين لا تتجه إلى حل النزاع، وتكتفي باتهام الطرف الفلسطيني بالوضع، واضح أن الحرب لا تستهدف تحقيق تسويات تؤدي إلى الاستقرار والامن، بل هي الوضع الدائم. ولما كانت غزة حتى بعد فك الارتباط ليست دولة ذات سيادة واسرائيل لا تزال تسيطر في المجال الجوي، البحري وفي المعابر البرية (باستثناء معبر رفح)، وحتى بالسجل السكاني ـ فمعقول أن عدم الاستقرار سيستمر لسنوات طويلة اخرى.

ان ما يسمى «الجرف الصامد»، هي اقسى حروب غزة وأطول حروب اسرائيل (باستثناء حرب الاستقلال). وفي هذه الحرب سجل ارتفاع كبير في عدد القتلى بين جنود الجيش الاسرائيلي، بالنسبة للحربين السابقتين: الرصاص المصبوب وعامود السحاب. أما عدد القتلى بين الفلسطينيين في القطاع فقد ارتفع عن 1.400 في الرصاص المصبوب إلى نحو 2.200.

ونشر أول أمس تقرير جديد لمنظمة «نحطم الصمت» وفيه مئات الشهادات للجنود الذين شاركوا في القتال في الصيف، من شمال القطاع وحتى جنوبه، ويأتي بصورة من زاوية حيوية غابت عن ناظر الجمهور. الشهادات نفسها ليست «صادمة» بقدر ما تفيد بمزايا القتال في نطاق مساحته 365 كيلو متر مربع ويسكن فيه باكتظاظ، وعمليا يحبس فيه، نحو 1.8 مليون نسمة.

«… كان واضحا أنه لن تبقى هناك أي حارة بسبب مكانها الجغرافي»، هكذا في احدى الشهادات. «نحن نعرف اننا ندخل إلى البيت ويمكن أن يكون فيه الاولاد الافضل، ولكن ستأتي دي 9 (جرافة مجنزرة) لتسوي البيت. فهمنا بسرعة بان كل بيت نخرج منه، تأتي دي 9 وتحلقه».

«… كانت بيوت قادة الكتائب وقادة السرايا (لحماس) اهدافا مختلفة تعرضت للهجوم من الطائرات القتالية… وعندما تنسحب القوات البرية كان سلاح الجو ببساطة يهاجمها».

بمعنى ان احدى المزايا المركزية التي تتبين من الشهادات هي هدم البيوت، سواء بالجرافة أم بالقصف من الجو، فور خروج القوات منها. فالقتال في أرض مبنية هو أخطر أنواع القتال. وارسال وحدات كاملة لاحتلال البيوت تعرض حياة الجنود للخطر، حتى لو تم الاحتلال بعد «التليين» بالقصف. واذا خرج الجنود بعد ذلك فان الجيش يدمر البيت واحيانا الحارة بأسرها، مما يثير التساؤل حول الضرورة في المخاطرة بحياة الجنود، في معركة هي عمليا معركة زائدة لا داعي لها.

لعله توجد معاذير لشكل العمل هذا، ولكن من قراءة الشهادات يتبين احساس عسير بانه مع أن حياة المدنيين الفلسطينيين كانت زهيدة، ولكن حياة جنود الجيش الاسرائيلي ايضا لم تكن في رأس اهتمام مقرري السياسة.

«قلت من قبل ان البيوت التي كنتم فيها فجرتموها بعد ذلك. نعم، بعد أن كنا خرجنا سمعت صوت انفجار. أنا أنظر فارى قصفا. يقولون لنا، نعم، سيكون وقف للنار، نحن نريد أن نعطي قولتنا الاخيرة قبل أن نغادر».

لقد أصبحت جباية الثمن المدني مركزية في القتال في غزة في الصيف، ويتضح الامر بوضوح من الشهادات: فاضافة إلى قصف المنازل المكثف، والتي قتل فيه مئات المدنيين الفلسطينيين، شهد الجنود على قصف احياء بأسرها في اللحظة الاخيرة قبل وقف النار.

مثل هذه الامور معروفة في حرب شاملة، يكون فيها استقرار خط الحدود قبل لحظة من وقف النار حيويا لانجازات المعركة بل واحيانا للاتفاق المستقبلي. اما في هذه الحالة فان قصف الاحياء المدنية قبل لحظة من وقف النار فلا يستهدف سوى الحاق الخسائر. لم يكن له هدف آخر، وبالتأكيد ليس في قتال لم تكن فيه منذ البداية نية لتحقيق انجازات سياسية.

من هذه ومن شهادات اخرى في التقرير، تتضح صورة قتال ليس لها اهداف حقيقية ولا حتى استراتيجية قتالية واضحة. عمليا، كان الحاق الكثير من الخسائر قدر الامكان للفلسطينيين، بمن فيهم المدنيون، حتى بثمن موت الكثير من الجنود هي الاستراتيجية الوحيدة الحقيقية.

حملة «الجرف الصامد» هي حلقة في سلسلة الحروب التي تخلق عدم الاستقرار في غزة، والتي بدأت قبل سيطرة منظمة حماس على القطاع بل وقبل فك الارتباط. عدم الاستقرار هو خطوة استراتيجية لحكومات اسرائيل التي عملت على فصل القطاع عن الضفة. وبشكل غير مباشر ساهمت في تعزيز حكم حماس في غزة وابعاد الوحدة الفلسطينية التي كانت تمنح لفتح امكانية العمل في غزة وتقلص المس بنشوء مجتمع مدني فلسطيني. سياسة اسرائيل في غزة هي حرب دائمة (مع توقفات)، بلا استراتيجية خروج من القتال.

يجب الانصات جيدا لتوصيفات الجنود الذين قاتلوا في غزة: فهم يروون لـ «نحطم الصمت» ما لا يروونه في تحقيقات الجيش الاسرائيلي، واذا ما رووا، فان هذا لن ينشر. وهم يصفون جيدا الشكل الذي ستدار فيه الحرب التالية في غزة، التي لا بد ستقع ـ إذ لا توجد جهة في الخريطة السياسية تقترح حلا ناجعا ملموسا للوضع.

هآرتس