تتكشف يوماً بعد يوم مآزق آل سعود على رغم كلّ المزاعم بأنّ ما يحصل من تغييرات في هيكل الحكم يصب في تثبيت دعائمه. لكن هذا الزعم لا يعلو فوق المظهر الجديد الذي يكشف حجم التناقضات داخل العائلة الحاكمة وعمق الخلافات التي وصلت بالصحافة الغربية لتتحدث عن نهاية ممالك الشيوخ والأمراء.

وليس قول الرئيس الأميركي أوباما عن أنّ المخاطر الحقيقية والمباشرة التي تهدد الكيانات الخليجية كامنة داخلها، إلا المؤشر عن أنّ دول الخليج مقبلة على أوضاع أمنية قاسية بسبب جرثومة الاستبداد التي ضربت هوية الجزيرة العربية وثقافتها وروحها الأخلاقية الأصلية.

لقد كان آل سعود سبباً في انحطاط الأمتين العربية والإسلامية. وكل هذا التخريب الذي حلّ بمنطقتنا ثقافياً ودينياً وسياسياً واقتصادياً يرجع بنحو واضح إلى الممارسات التي قام بها آل سعود قديماً وحاضراً. الإسلام تحوّل بفعل مشايخ التحريض والسوء عندهم إلى دين للذبح والكراهية والإقصاء والتكفير. فلم يعد ذلك الدين الذي يقوم على التسامح والمحبة والإخوة والتعاون والهداية والإصلاح. انقلب كل شيء حتى صارت شعوب عدة تنظر إلى الإسلام نظرة ماقتة ساخطة.

القضية الفلسطينية التي تعد أشرف قضية إنسانية، تحوّلت بفعل مال آل سعود إلى قضية ثانوية وبات معها الشعب الفلسطيني مقسماً مفتتاً، أما قياداته فهي على الدوام في حالة صدام مع بعضها البعض حتى خرجت فئة تنادي بالصلح مع الكيان الصهيوني، وتنازلت عن الأرض والمقدسات بعدما عمل آل سعود مع الصهاينة على مدى أكثر من ستين عاماً على تيئيس الفلسطينيين واستمالتهم بالإرهاب تارة وبالمال تارة أخرى.

وما أن خرجت المقاومة الفلسطينية بدعم من الرئيس جمال عبد الناصر حتى بدأت المؤامرات والاختراقات، لئلا تصبح المقاومة ظاهرة فاعلة داخل المجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربية فتُطيح بالمرتكزات والمصالح الأميركية و«الإسرائيلية» والسعودية على حد سواء.

إلى عصرنا الحالي حيث أنّ معظم من قُتل بالتفجيرات الانتحارية في العراق هو بفعل دعم آل سعود لهؤلاء التكفيريين وتحريضهم على قتل المسلمين الشيعة وما تيّسر من الأيزيديين والآشوريين وغيرهم من الطوائف «الكافرة» واعتبار ذلك أولوية مطلقة.

ثم انتقلوا إلى سورية بسلوكهم البربري الهمجي ليؤسسوا لمنهج في الحياة والحكم يفتقد أبسط معاني الرحمة الإلهية والإخوة الإنسانية. وإلى اليمن حيث الحقد الأعمى، فآل سعود لا يستطيعون تصور اليمن بلداً مستقلاً سيداً يسعى لتطوير قدراته في مختلف المجالات، لهذا نشهد كل هذه الهمجية في التدمير لجعل اليمن من أكثر البلدان تخلفاً.

وبينما النبي الأكرم يدعونا إلى الإحسان إلى الجار. ها هم آل سعود يتصرفون بطريقة مناقضة تماماً، ولم يخطئ زعيم حركة أنصار الله عندما وصف المملكة السعودية بأنّها جارة السوء. وعلى كل حال فإنّ ما نفهمه من التطورات السياسية داخل مملكة آل سعود هو أنّ العد العكسي لزوال هذه المملكة بدأ وأن مصيراً أسود ينتظر العائلة الحاكمة.

حسناً يمكن أن يقول أحدهم أنّ هذا التحليل تخمين مبني على العواطف والاصطفاف الحالي، فيما النظام السعودي يمضي من مرحلة إلى مرحلة بقوة أكبر، لكن ما نعنيه أمر بات يعرفه أهل الدار أنفسهم وأهل الحماية التاريخيين وما يتكشف يومياً، خصوصاً مع تولي الملك سلمان دفة الحكم والتغييرات الكبيرة داخل الأسرة الحاكمة في ظل العدوان على اليمن يؤكد أنّ المملكة على حافة السقوط. الحكم لن يصمد ليس لأنّه لا يملك السلاح لمواجهة أعدائه بل لأنّه لا يملك الدواء لإصلاح جسده.

أما من يُرد في لبنان على وجه الخصوص أن يبقى على صمته من إعلاميين وكتاب ومشايخ وسياسيين تربطهم بالمملكة مصالح من مزايا الحصول على تأشيرات دخول لأداء فريضة الحج إلى الحصول على هبات لصحفهم ووسائل إعلامهم، إلى طامحين لمناصب سياسية واجتماعية، فليصمت. أما أنا فلم أعرف في تاريخي إلا قول كلمة الحق وفي أحلك الظروف ولو كلفني ذلك الصوت حياتي وروحي.

سأبقى إلى جانب فلسطين مهما حييت، وأنا اليوم إلى جانب سورية الجريحة من إرهاب التكفير وإلى جانب اليمن المستضعف الذي ننتظر من بوابته الفرج القريب!

(البناء)