الهجوم الذي شنّته الجماعات المسلحة بدعم تركي مكشوف على جبهة محافظة إدلب، وسيطرتها على مدينتي إدلب وجسر الشغور، والذي بدأ قبل خمسة أسابيع من الآن، لم يكن توقيته بمحض الصدفة. فمن المعروف أنه في كلّ مرة يجري بحث ملف الأزمة في سورية في محافل دولية أو لقاءات مع الإدارة الأميركية من قبل قادة دول في المنطقة منخرطة في الحرب على سورية، تصدر التوجيهات للجماعات المسلحة، ويقدّم لها الدعم، ويرفع الحظر عن دعم التنظيمات المصنّفة إرهابية من قبل مجلس الأمن بهدف تحقيق مكاسب على الأرض على حساب الدولة السورية، في محاولة لإقناع من يشارك في القرارات الدولية، أو قرارات دولة مثل الولايات المتحدة تزعّمت قيادة الحرب على سورية، بأنّ الجماعات المسلحة قادرة على المضيّ في معركة الاستنزاف وصولاً إلى إسقاط الدولة السورية، أو تقسيم سورية، أو أقله خلق توازن قوى ميداني يفرض على الدولة السورية وحلفائها تقديم تنازلات في حال تمّ الجلوس إلى طاولة حوار يبحث في كيفية حلّ الأزمة في سورية.

من المعروف أنه قبل دخول المسلحين إلى مدينتي إدلب وجسر الشغور باتت الحكومات الغربية ولا سيما الإدارة الأميركية أقرب إلى الاقتناع بأنّ الحرب على سورية فشلت فشلاً نهائياً، ولن يتحقق أيّ هدف من الأهداف المعلنة، بما في ذلك تغيير التوازن الميداني، وفي ضوء هذا الواقع أطلق وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري تصريحه الشهير حول صعوبة تحقيق تسوية من دون دور ما للرئيس بشار الأسد، وتدفق عدد من الوفود الغربية إلى سورية طلباً للتعاون معها في مكافحة الإرهاب.

لو استمرّ الوضع الذي كان سائداً قبل سيطرة المسلحين على إدلب وجسر الشغور وعقدت القمة التي سوف تجمع الرئيس الأميركي، مع قادة الدول الخليجية في كامب ديفيد في 13 الجاري، لكان من المتوقع أن يقنع الرئيس الأميركي بسهولة قادة هذه الدول بمراجعة رهاناتهم على الحرب في سورية، وربما إلزامهم بسياسات تقود إلى الانسحاب من الحرب، أو على الأقلّ وقف الرهان عليها.

لكن الآن، وبعد سيطر المسلحين على إدلب وجسر الشغور، وما ترافق مع ذلك من حملات سياسية وحرب شائعات وحرب نفسية، بات بمقدور بعض قادة الدول الخليجية الذين سيشاركون بقمة 13 أيار مع الرئيس الأميركي عند التطرّق إلى الوضع في سورية، إبعاد احتمال أن يتمّ التداول بالأزمة السورية، على النحو الذي كان يخشاه بعض قادة الدول الخليجية، ولا سيما الملك السعودي وأمير قطر، فإذا لم يتفهّم الرئيس الأميركي باراك أوباما وجهة نظرهم التي تدعو إلى مواصلة الحرب على سورية والتعاون مع التنظيمات الإرهابية، ولا سيما «جبهة النصرة»، فإنه لن يمارس ضغطاً كبيراً عليهم للانسحاب من الحرب ووقف رهاناتهم عليها، ولعلّ هذا أهمّ العوامل التي تفسّر توقيت الهجوم في محافظة إدلب.

(البناء)