Get Adobe Flash player

يهودية «إسرائيل» أصبحت واقعاً

د. فايز رشيد

«إسرائيل» تصنع حقائقها وتفرض الفهم الذي تريد «ليهوديتها».. والعديد من سياسيينا ومحللينا وقانونيينا في مقالاتهم وتعليقاتهم على الفضائيات «يتلهون» بالتفسير اللفظي واختراع الفوارق ما بين تعبيري: يهودية «إسرائيل» و«إسرائيل» ك «دولة الشعب اليهودي»!

أمريكا وفرنسا وغيرهما اعترفت ب بيهودية «إسرائيل» منذ فترة، وفقاً للفهم «الإسرائيلي» لها! البعض من المحللين والقانونيين والسياسيين ينكر ذلك متحججاً، بالقانون الدولي! القانون الدولي في عصر الغاب الذي نعيشه، هو ما يفهمه الأقوياء، ثم إن «الحق» إن لم تسنده قوة، يصبح في عرف الأقوياء المتحكمين بالعالم.. «ظلماً» ولا يلتفت إليه أحد، والظلم يصبح «حقاً». كأن البعض منا لا يفهم هذا الأمر، أو لا يريد أن يفهمه! مقدمة لا بد منها.. وهي رد موضوعي على نقاشات عديدة جرت ولا تزال!

صادقت حكومة الكيان الصهيوني السابقة (الأحد 23 نوفمبر/ تشرين الأول 2014) على مشروع قانون سيجري عرضه في الكنيست الحالي (بعد تشكيل الحكومة الجديدة) للتصويت عليه بقراءات ثلاث، ليصبح قانوناً يجري تطبيقه رسمياً. حتى من دون تصديق القانون، فإن الواقع يؤكد تطبيق تداعياته منذ إنشاء الكيان حتى اللحظة. مشروع القانون سيجري إقراره حتماً، لأن التحولات في «إسرائيل» في العقود الأخيرة، وكما تشير استطلاعات كثيرة تنشرها الصحف «الإسرائيلية» بين الفينة والأخرى وكما أثبتت الوقائع في انتخابات دورات الكنيست الأخيرة الثلاث، تتصاعد بخطى متسارعة باتجاه المزيد من الفاشية والتطرف من أجل تأكيد كل ما سبق.

قبل إنشاء الكيان وفي مؤتمر كامبل بنرمان الذي عقدته الدول الاستعمارية الأوروبية واستمرت جلساته المتباعدة بين عامي 1905 - ٧٠٩١ وفي أحد قراراته نصّ على:إقامة دولة في فلسطين تفصل شطري الوطن العربي في آسيا وإفريقيا على أن تكون صديقة لأوروبا وعدوة لسكان المنطقة. لم يكن ذلك بمعزل عن بدء ظهور القوميات في أوروبا، وما صاحبه من انتقال من عهد الإقطاع إلى الرأسمالية، الأمر الذي فتح عيون بعض القيادات اليهودية على أهمية تشكيل «القومية اليهودية» التي بدأت إرهاصات تحولاتها في الانتقال من «الصهيونية الدينية» إلى «الصهيونية السياسية»، تبلور التحول فيما بعد، في ظهور الحركة الصهيونية. جاء وعد بلفور في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917 ليؤكد «أهمية إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين». قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1947 نص على إنشاء دولتين في فلسطين «دولة يهودية» وأخرى عربية. ذلك يظهر الخلفية التي انطلقت منها الدول الغربية والاستعداد المبكر لها للاعتراف لاحقاً بيهودية «إسرائيل».

عند إنشاء الدولة «الإسرائيلية» رسمياً في عام 1948، ونحن نعيش هذا الشهر ذكرى إقامتها القسرية، وفي بيان الإعلان عنها، تم التأكيد على عدة مبادئ من بينها: «الدولة اليهودية» و«قانون العودة»، وبموجب هذين المبدأين: فإن «إسرائيل» ملتزمة بلم شمل اليهود من مختلف أنحاء العالم، ومن يتهودون كذلك، وهؤلاء لهم الحق في العودة، والحصول على الجنسية، والعيش في «إسرائيل» كمواطنين «إسرائيليين». هذا إضافة إلى الاستمرار في الترويج لمفهوم «الشعب اليهودي» و«القومية اليهودية» و«الأمة اليهودية». منذ تلك اللحظة فإن «إسرائيل» تسعى لتحصين «يهودية دولتها». وإبان تسلم تسيبي ليفني لحقيبة الخارجية، عملت على إعادة إحياء هذا الشعار القديم الجديد (هذه التي يعتبرونها من جناح الحمائم في الكيان! وإمعاناً في التغطية على سياساتها، صوتت ضد مشروع القرار!). إيهود أولمرت راكم على عملية التحول. نتنياهو وعند تسلمه رئاسة الحكومة «الإسرائيلية» الأولى أخذ هذه الفكرة وطورّها إلى ضرورة اعتراف دولي بها. بالفعل اعترفت به، الولايات المتحدة (اعتراف أوباما بيهودية «إسرائيل»، ومطالبة فيليب كراولي للفلسطينيين بالاعتراف بها (يديعوت «أحرونوت» 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2010) وفرنسا اعتراف ساركوزي بيهودية «إسرائيل» في مايو/ أيار 2011 أثناء استقباله لنتنياهو على عتبات الإليزيه. لم يكتف نتنياهو بذلك بل أخذ يشترط على العرب والفلسطينيين: الاعتراف بذلك مقابل إجراء التسويات (والتي هي حلول «إسرائيلية») للصراع مع الطرفين.

كترجمة عملية لهذا الشعار، بدأت «إسرائيل» في سنّ مشاريع قوانين في الكنيست توضح وتفصّل فيها الأسس الاستراتيجية القانونية للشعار. لقد سارع رئيس كتلة الائتلاف الحكومي السابق (إبان الكنيست السابقة) النائب المستوطن ياريف لفين إلى إعادة إحياء ما يسمى ب «قانون دولة القومية» (وهو مشروع قرار كانت قد اقترحته الأطراف الأكثر تشدداً في الكنيست) آنذاك (قبل السابقة)، وبسبب من حل الكنيست ( في حينها) لم تستكمل قراءته ليصبح قانوناً. خلال الكنيست السابقة (وهي الأكثر تطرفاً من سابقتها)، فإن صياغة القانون تحولت إلى أن: «أرض «إسرائيل» هي وطن الشعب اليهودي». ليس هذا فقط، وإنما تمت صياغة قانون آخر جري تقديمه إلى الكنيست السابقة تحت عنوان «اللوبي من أجل أرض «إسرائيل»» لقد جرى سن كل تلك القوانين. في الشرح (المبُهم) للقانون جرى التفصيل بملحق إضافي يحدد بأن أرض «إسرائيل» هي «أرض فلسطين التاريخية» (التي تعني عملياً: كل فلسطين من النهر إلى البحر). تطور الأمر إلى قانون آخر تم سنه (أعده النائبان زئيف إلكين من «حزب الليكود» وإيليت شاكيد التي تنتمي إلى «حزب البيت اليهودي») وجرى سنه بقراءاته الثلاث. القانون سيقطع الطريق على أية حكومة «إسرائيلية» قادمة، للانسحاب من الضفة الغربية (التي هي بالمفهوم الإسرائيلي يهودا والسامرة). وبذلك سوف لن تتم إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف من الظروف.

القانون الحالي ينص أيضاً على أن: «دولة «إسرائيل» هي الوطن القومي للشعب اليهودي (في العالم بالطبع) الذي يطبق فيه طموحه لتقرير المصير بموجب تراثه وثقافته وتاريخه»، وإن تقرير المصير في دولة «إسرائيل» يخص فقط الشعب اليهودي. جاء القانون بصيغة «إعطاء الأولوية في التطبيق القانوني، وللقيم اليهودية». أي أن المرجعية الأساسية لتفسيرات القوانين «الإسرائيلية» هي «القيم اليهودية» وليس النظام الديمقراطي (الذي تدعيه «إسرائيل»). في التفسير العملي للفهمين السابقين يرد في ملحقيهما التوضيحيين: الحق في الحصول على الأرض والمسكن هو لليهود فقط. كما يدعو القانون إلى شطب اللغة العربية كلغة رسمية ثانية في الكيان الصهيوني. بالمعنى الفعلي هناك أساس قانوني للشطب، المسألة هي التوقيت المناسب.

معروف أن الحكومة «الإسرائيلية» برئاسة مناحيم بيغن قامت بتحصين الطابع اليهودي للدولة في القوانين والتعليمات «الإسرائيلية» فيما يتعلق بقرارات محكمة العدل العليا، وذلك بإصدار قانون ينص على ما يلي: «عندما تواجه المحكمة بسؤال قانوني يتطلب قراراً لا يوجد له جواب في القانون الوصفي - قانون الحالة - أو من خلال التحليل، يتوجب على المحكمة أن تقرر في ضوء مبادئ الحرية العدالة المساواة والسلام الخاصة بالتراث اليهودي».

كما يُلاحظ، فإن شعار يهودية الدولة جرى على مراحل، ولم تكن «إسرائيل» في إقراره متسرعة وإنما يجيء التطبيق بعد فرضها لوقائع كثيرة على الأرض، حيث هناك تقبل فلسطيني رسمي وعربي رسمي لوجودها في المنطقة، ولذلك كانت اتفاقيات أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة.

خلاصة القول: إن يهودية «إسرائيل».. جرى ويجري التأسيس لها وتمارس على الأرض واقعاً وسياسات.

(الخليج)