Get Adobe Flash player

 

على وقع الحملات الإعلامية المتبادلة بخصوص معركة القلمون والتهويل بقرب انطلاقها، تشهد جبال القلمون استعدادات متسارعة من كل الأطراف، تحضيراً لمواجهة استحقاق «ذوبان الثلوج» الذي كان قد أعلن عنه الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله مطلع السنة الحالية.

وكان لافتا للانتباه في الساعات الأخيرة أن ماكينة إعلامية حاولت ضخ شائعات ومعلومات عن سير المعارك و «الانسحابات» و «الممرات الآمنة»، وذلك خلافا للوقائع الميدانية، إذ إن «حزب الله» يواصل عملية الحشد وفي الوقت نفسه، أكدت قيادته أن توقيت العملية «سيكون قريبا جدا جدا ومرتبطا بمدى الجهوزية وبمعطيات الميدان وليس بأي توقيت سياسي أو ميداني آخر».

ووفق مصادر ميدانية، فإن «جبهة النصرة»، أخلت مواقعها في عدد من التلال الصعبة إما تكتيكيا وإما لانتفاء القدرة في الدفاع عنها وبالتالي تفادي تقديم أثمان باهظة في أية مواجهة محتملة.

في هذه الأثناء، كان لظهور أبو سمير الأردني، القائد العسكري العام السابق لـ «جبهة النصرة» بعد مضي حوالي عام ونصف العام على اختفائه المفاجئ، دلالات كثيرة قد لا تخلو من التأثير في معركة القلمون نفسها.

وبرغم الزخم المعنوي الكبير الذي حصلت عليه «جبهة النصرة» بعد سيطرتها على كل من إدلب وجسر الشغور في شمال سوريا في الأسابيع الماضية، وما يفرضه ذلك من استعداد لديها لخوض أي معركة لاستثمار هذا الزخم وترجمته إلى تقدم على الأرض، إلا أن «النصرة» لا ترغب في خوض معركة القلمون، أو على الأقل لا ترى أن موعد انطلاقها في هذا التوقيت يناسبها.

وبحسب مصدر مقرب من «النصرة»، فإن «معركة القلمون ترتبط أكثر بالأحداث التي تجري في القلمون الشرقي، على امتداد البادية السورية وصولاً إلى محافظتي درعا والقنيطرة في الجنوب، أما الشمال فإن انعكاسه على القلمون يكاد يكون معدوماً لبعد المسافة وعدم وجود تواصل جغرافي متين».

ويقول المصدر نفسه لـ «السفير» إن «المواجهات التي تخوضها جبهة النصرة ضد تنظيم «داعش» في القلمون الشرقي وبادية حمص وفي محافظتي درعا والقنيطرة تشكل عبئاً كبيراً على كاهلها»، وبالتالي «من الطبيعي ألا ترغب في مواجهة حزب الله والجيش السوري في معركة لها أهمية معركة القلمون، في ظل هذه الأعباء التي ستمنعها من خوض المعركة بالمستوى الذي ترغب به».

وعلمت «السفير» أن من يقود عمليات «داعش» في القلمون الشرقي هو أبو سمير الأردني، الذي كان يشغل منصب القائد العسكري العام لـ «النصرة»، قبل أن يقرر الانشقاق عنها ويبايع زعيم «الدولة الإسلامية» أبي بكر البغدادي.

ويعتبر هذا الظهور الأول للأردني منذ انشقاقه عن «النصرة» قبل عام ونصف العام، حيث آثر آنذاك الابتعاد عن الأنظار لأسباب عدة، قد يكون على رأسها خوفه من انتقام «النصرة» لتخليه عنها.

ومن المعروف أن الأردني هو نفسه أبو أنس الصحابة، الذي تربطه مع «أمير النصرة» في الجنوب السوري أبو جليبيب الأردني علاقة قوية تعود إلى سنوات عدة قبل الأزمة السورية، حيث كانا من أبرز قادة التيار السلفي الأردني من جيل الشباب، ولعبا دوراً كبيراً في تحريض أتباع التيار على الذهاب إلى سوريا للانضمام إلى القتال.

وتشير المعلومات إلى أن أبا سمير يشغل منصباً قيادياً في «داعش» تشمل صلاحياته عموم المنطقة الجنوبية، وبالتالي فإن بصمته واضحة في الأحداث التي شهدتها مؤخراً المحافظات الثلاث: ريف دمشق ودرعا والقنيطرة، سواء لجهة «البيعات» التي حصل عليها من بعض الفصائل المسلحة، سراً أو علناً، نظراً لما يعرف عنه من قوة تأثير وإقناع، أو لجهة الاقتتال الدائر منذ أيام عدة في ريفي القنيطرة ودرعا، حيث يعتبر الأردني العقل المدبر لتسلل «الدولة الإسلامية» إلى عقر دار «إمارة» صديقه القديم أبو جليبيب.

ومما لا شك فيه أن «النصرة» لا تستطيع تجاهل هذا الظهور العلني، بسبب ما تعرفه من إمكانات قائدها العسكري السابق الذي يعتبر المهندس الفعلي لأبرز عملياتها في السنوات الماضية، مثل «غزوة الأركان» في العام 2012، وبالتالي تعتبره خطراً محدقاً تنبغي مواجهته بأسرع وقت وبأي ثمن قبل أن ينجح في إحداث اختراق في صفوفها في المنطقة الجنوبية، خصوصاً في ريف دمشق والقلمون الغربي حيث شغل أبو سمير منصب «أمير جبهة النصرة في دمشق» وتربطه علاقات واسعة مع غالبية قادتها هناك.

وقد فرضت هذه التطورات على الجبهة الجنوبية نفسها على «جبهة النصرة» التي وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي مضطرة إلى الاستعداد لخوض معركة القلمون في حال فرضت عليها، خاصة أنها كانت من أوائل من هدد بها انتقاماً من دور «حزب الله» بحسب أدبياتها، لكنها في الوقت ذاته تعتبر مواجهة خطر تمدد «داعش» أولوية لا يمكن تأجيلها، لذلك جاءت مواقفها متضاربة نوعاً ما. فمن جهة نشرت صوراً على حساب «مراسل القلمون» على «تويتر» تظهر استعدادها لخوض المعركة، مثل صور تخريج دفعة من مقاتليها من أحد معسكرات القلمون، وصور للتدرب على إطلاق صواريخ مضادة للدروع، منها صواريخ «تاو» الأميركية الصنع التي تؤكد المعلومات أنها وصلت خصيصاً إلى «جبهة النصرة» وليست من التي اغتنمتها من «جبهة ثوار سوريا» التي تبين أنها مشفرة، ولم تصل «جبهة النصرة» إلى فك شيفرتها بما يمكنها من استخدامها، وكذلك صوراً لبعض القطع الثقيلة التي قالت «النصرة» إنها استولت عليها من الجيش اللبناني، وهددت باستخدامها في استعادة السيطرة على «قرى الرافضة».

ومن جهة أخرى، كشف تهديد «جبهة النصرة» بإعدام المخطوفين العسكريين في حال إطلاق معركة القلمون أنها تحاول وضع عوائق لمنع إطلاق المعركة التي لا ترغب بخوضها، أو على الأقل تأجيلها إلى وقت أكثر ملاءمة لها، بحيث تكون تخلصت من تهديد «داعش» لها. وما يعزز من ذلك الاشتباكات التي حصلت صباح أمس بين مجموعة من «النصرة» وأخرى من «الدولة الإسلامية» في القلمون الغربي بسبب رفض حاجز تابع لـ «داعش» مرور عناصر «جبهة النصرة» قبل إخضاعهم للتفتيش ما أدّى إلى تبادل إطلاق الرصاص بين المجموعتين، وهو ما يشير إلى استمرار حالة التوتر بين الطرفين، ويجعل «جبهة النصرة» تفكر مرة بعد أخرى في ضرورة حماية ظهرها قبل أن تقرر خوض معركة القلمون.

من جهة أخرى، تواصلت المساعي لدى بعض الفصائل في القلمون للتوحد والاندماج على غرار «جيش الفتح» في الشمال السوري، وفي هذا السياق تم إطلاق مبادرة «تجمع واعتصموا» التي انضم إليها كل من «لواء الغرباء» و «السيف العمري و «رجال القلمون» و «نسور دمشق». وبحسب مصادر من داخل التجمع فإنه من المتوقع أن يكون خطوة أولى نحو تشكيل «جيش الفتح في القلمون» بحيث تنضم إليه في ما بعد كل من «جبهة النصرة» و «أحرار الشام» و «جيش الاسلام».

(السفير)