Get Adobe Flash player

 

منذ آذار الماضي، ومع احتلال مدينة إدلب من قبل ما يسمّى بـ«جيش الفتح»، بدأت الصحف الغربية ومراكز الأبحاث الأكثر قرباً من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، إضافةً إلى نظيرتها في أوروبا، بتعويم ملف الانهيارات المتسارعة للدولة السورية وحلفائها في شمال البلاد، وأطلِقت حملة إعلامية منسّقة تستهدف قبل أيّ شيء معنويات المؤيّدين للدولة السورية. فعلى الجانب النفسي دُفِع بسيناريو «التخلي» عن سورية في أوساط الرأي العام، وتأثرت بعض النخب في ضوء التراجع الذي جرى في مواقع انتشار الجيش السوري بما سبق، وبدأ الترويج لهذا السيناريو بأيدي المحسوبين على المحور المقاوم. هنا لا نتهم أحداً، بل من الممكن أن البعض تأثر ببعض التسريبات الواردة من بعض مراكز القوى في دمشق حول عدم وجود دعم من الحلفاء بالمستوى المطلوب في الآونة الأخيرة، وتزامناً مع الحرب النفسية، ثُبّت سيناريو «التخلي» مع عدم مراعاة الفارق بين شح الدعم أو الحسابات السياسية والمعنى الحرفي لكلمة تخلي عن سورية. فهل انسحب حزب الله من سورية على سبيل المثال حتى نقول أن التخلي قد وقع؟

في المقلب الآخر، وعلى صعيد الإعلام، عاد سيناريو الدفع بالحرب في سورية إلى الواجهة بعدما لوحظ غيابه عن صفحات الصحف ومراكز الأبحاث لفترة طويلة امتدت من منتصف عام 2014 وحتى أوائل آذار المنصرم. إنما من دون أن يعني ذلك بطيبيعة الحال انعدام الرهان على الفصائل المرتبطة بـ«القاعدة» والمجموعات السلفية الأخرى في الدفع بتغيير موازين القوى على الأرض السورية إلى الأمام مع وصول الملك سلمان إلى الحكم واختياره توحيد الجهود مع أنقرة والدوحة وتجاوز الخلاف حول الإخوان في سبيل تحقيق التقدم في سورية التي لا تزال على رأس أجندة التدمير السعودي ـ التركي ـ القطري للمنطقة.

صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية رأت أن ما جرى في إدلب يسلّط الضوء على تماسك النظام السوري، ونقلت عن محللين قولهم «إن وتيرة الأحداث في سورية قد تجبر الولايات المتحدة على إعادة التركيز على الحرب التي لم تحل بعد، فإيران تدعم الأسد، والمملكة العربية السعودية تدعم المتمردين، والتحول في ميزان القوى في سورية قد تكون له انعكاسات عميقة على الصراعات في العراق واليمن».

أما صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية المحسوبة على الحزب الاشتراكي الحاكم فقد حاولت توجيه التغيّرات الميدانية الأخيرة في خدمة معركة الشمال وتحديداً مدينة حلب، إذ نقلت عن توماس بييريه الأستاذ في جامعة أدنبرة والمتخصّص في الشؤون السورية قوله «إن الطريق لا يزال طويلاً إلى اللاذقية، لكن التوغل باتجاه المحافظة من شأنه أن يجبر النظام على إعادة تجميع قواته، وهو ما يضعفه في مناطق أخرى لا سيما حلب».

وفي سياق متصل، رأى معهد واشنطن المرتبط بالمحافظين الجدد أن «الثوار على استعداد لشنّ مزيد من الهجمات في شمال البلاد مع احتمال أن تمدّهم المعنويات المرتفعة بالطاقة اللازمة على جبهات أخرى»، معترفاً في دراسة لجيفري وايت وباحثة سورية تدعى علا عبد الحميد الرفاعي بأن الفضل الأكبر للنجاحات يعود إلى «الفصائل الإسلامية وبينها تلك المرتبطة بتنظيم «القاعدة». الأمر الذي سيقوّي مركزهم العسكري والسياسي في الشمال، ومن المرجح أن يعززه في أماكن أخرى من سورية».

ويلحَظ في سياق ما سبق الرهان على أمرين أساسيين:

الأول: الدفع بسيناريو الحرب في سورية إلى الأمام وقطع الطريق على أي حل سياسي أو محاولة لتبني منهج الواقعية السياسية في سورية على المدى المنظور، واعتبار كل ما جرى فرصةً لا تعوّض للضغط على الدولة السورية وإجبارها على قبول الرؤية الغربية للحل السياسي والتي تقوم على إسقاط النظام نفسه بالتفاوض. من دون أن نغفل هنا تشريع «النصرة» وتمددها باعتبارها روح «التمرد» بحسب المصطلح الغربي.

الثاني: الرهان عبر الحملة الإعلامية المنسّقة، والحرب النفسية التي أثرت بشكل واضح على معنويات بعض النخب المؤيدة للدولة السورية، وعلى القاعدة الشعبية، على ضمان عدم قدرة الدولة السورية على الصمود في وجه التطورات الميدانية الأخيرة، وبالتالي اندفاع العصابات المسلحة، لتحقيق المزيد من الإنجازات الميدانية لزيادة الضغوط على الدولة السورية.

إن الرهان الجديد يستند إلى التطورات الميدانية الأخيرة وإمكانية تطويرها واستكمالها سواء في سهل الغاب أو باتجاه الضغط على مدينة اللاذقية الساحلية، تمهيداً لإجبار الدولة السورية وحلفائها على عملية إعادة تجميع للقوات السورية تجعل من بعض المناطق هدفاً سهلاً للجماعات الإرهابية، وتحديداً حلب التي لا خلاف حول أهميتها القصوى في المواجهة الدائرة في سورية، كونها عاصمة الشمال والعاصمة الثانية للبلاد وأساس رهان الأطلسي وحربه في سورية. لكن في ضوء الهجمات المضادة التي تشنّها القوات المسلحة السورية على أكثر من محور في سهل الغاب وريف إدلب، فإن صمود القوات المدافعة في أماكنها وتفادي المزيد من الخسائر في الجغرافية من شأنهما أن يضعا هذا السيناريو في مهبّ الريح، ويفشله شأنه شأن ما سبقه من سيناريوات على مدى السنوات الأربع المنصرمة. هنا الكرة في ملعب الحلفاء قبل الجيش السوري.

(البناء)