Get Adobe Flash player

 

نائب وزير الخارجية السورية

بعد أربع سنوات ونيف من الصمود الذي لا سابق له في وجه أعتى حرب شهدها أيّ بلد في كلّ الأزمنة، ما زال البعض من تجار الحروب وقتلة الغرب والمرتبطون بمخططات الصهيونية والغرب للنيل من سورية وإنهاء دورها القومي والحضاري، يراهنون على نجاح ما فشلوا في تحقيقه: إركاع سورية. أربع سنوات من الدعم الأميركي والسعودي والقطري لم تكف هؤلاء الواهمين كي يفهموا أن سورية غير قابلة للاستسلام ولا للرضوخ لمخططاتهم البائسة التي تجعل من السوريين أذلاء في وطنهم ومحرومين من ممارسة دورهم الإنساني والحضاري وانتزاع حقوق أمتهم التي ما زالت الدول الغربية تتحكم بها في الكثير من الجمهوريات والممالك والإمارات العربية.

منذ الأيام الأولى لبدء الأزمة عملت القوى والأطراف التي شنت الحرب على سورية على محورين أساسيين لكسب الحرب لمصلحتها: الأول، كان متابعة إغراق سورية بمختلف أنواع الأسلحة وإيصالها إلى أيدي المجموعات الإرهابية، وسيكشف هؤلاء لاحقاً أنهم أدخلوا إلى سورية مئات الآلاف من المعدات العسكرية لاستخدامها ضد المواطنين السوريين واتهام الحكومة بأنها كانت البادئ بذلك. كما أن الأنظمة في الدول المجاورة بما في ذلك في تركيا والأردن وفي الكيان الصهيوني وبعض الأحزاب اللبنانية المحسوبة على الولايات المتحدة والسعودية، قامت بإتخام أدواتهم في سورية بالمليارات من الدولارات والمعدات العسكرية للانقضاض على هذا البلد المقاوم. ومما لم يتم التركيز عليه كثيراً طيلة الأزمة هو قيام بعض الجمعيات الخيرية والدينية بمد الإرهابيين في سورية بإمكانيات مالية ولوجستية هائلة وقيام بعض الحكومات بدعم هذه الجمعيات للتغطية على تمويلها المباشر للإرهاب. ومما يثير أقصى درجات الاستغراب هو تعامي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وأدوات هؤلاء في مجلس الأمن عن فضح الحكومات والدول والقادة الذين انتهكوا في شكل مفضوح كل قرارات مجلس الأمن التي تم اعتمادها تحت الفصل السابع لمحاربة الإرهاب وتمويل الإرهاب منذ الهجمات الإرهابية على نيويورك بتاريخ 11/9/2001 وحتى الآن. لكن الاستغراب سريعاً ما يزول عندما نؤكد أن الكثير من هذه الجمعيات والدول التي تقوم بتمويل الإرهاب خصوصاً في الدول الخليجية تحظى بتغطية تامة من الدول التي أشرنا إليها لأنها هي صاحبة المخطط الأساسي لهذه الحرب على سورية. وهكذا نجد أن الكلام الكثير عن تجفيف منابع الإرهاب الذي أصبح لغة دارجة طيلة السنوات التي تلت الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة، أصبح مجرد كلام لا قيمة له عندما لا يخدم مصالح الدول الغربية. أما المحور الثاني فيتعلق بالحرب الإعلامية الشعواء التي شنتها على سورية أجهزة الإعلام التي تدعي الاستقلال والحيادية والتغطية الموضوعية لتضليل الرأي العام السوري والإقليمي والدولي حول الأحداث التي ألمّت بسورية فكانت بتغطيتها للأحداث أكثر حكومية من أجهزة الإعلام الحكومية التي غالباً ما يتهمها الغربيون بتسيير الإعلام والسيطرة عليه وتسخيره لخدمة سياساتها، فنجد أن الكثير من أجهزة الإعلام الغربية المعروفة تسير في شكل ملتزم بتعليمات ساركوزي وهولاند وكاميرون وأوباما مثلها مثل أجهزة الإعلام التي تقوم بتمويلها أجهزة الاستخبارات السعودية والقطرية وأسرة الحريري والإخوان المسلمون والمتطرفون والتكفيريون.

من حق السوريين أن يعبروا عن اعتزازهم بصمودهم طيلة أربع سنوات ونيف، لكن السوريين يعون أيضاً أن الحرب الكونية عليهم لن تدخر إمكانياتها المالية والعسكرية والإعلامية لتشويه ما ينجزه الجيش العربي السوري. وأن أعداء سورية وأدواتهم من الإرهابيين القادمين من كافة أنحاء أوروبا وغيرها من القارات قد يحققون اختراقاً هنا أو تقدماً هناك، وهذا بالضبط ما حدث في إدلب وجسر الشغور ونصيب وأماكن أخرى، إلا أن ما تم في هذا المجال لا يعدو كونه، كما يعرف السوريون، عن لعب في الوقت الضائع. وإذا كان البعض يعتقد أن ما حدث في الشمال الغربي السوري مؤخراً دليلاً على مزيد من الأرض لمصلحة الإرهاب وقواه الأخرى، فإنهم واهمون. إن تركيا التي أمنت للإرهابيين في هجومهم على إدلب وجسر الشغور كل أسباب ما حدث بتغطيتها النارية المباشرة وإيوائها وتسليحها وإرسال قطعانها المتوحشة من الإرهابيين لاحتلال إدلب وغيرها، فإن تركيا ليست موجودة في باقي أنحاء سورية لتأمين وصول القتلة والإرهابيين إلى المدن والبلدات السورية. كما أن تركيا التي قامت بتوفير المناخ الملائم للإرهابيين للتقدم في إدلب وجسر الشغور، سوف لن تكون قادرة على الاستمرار بذلك في إطار ممانعة الشعب التركي المتصاعدة لهذا الدور سيء الصيت الذي تقوم به حكومة أردوغان وداود أوغلو دعماً للإرهاب وسفكاً للدماء في سورية. وفي الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد سياسي مثَّل الكثير من الأحزاب التركية طمأننا الأصدقاء الأتراك بقولهم أن أيام حزب أردوغان في السلطة أصبحت معدودة وأن الأحزاب التركية التي ستحظى بثقة الشعب التركي في الانتخابات القريبة المقبلة ستعمل فوراً على إنهاء الدور التركي الداعم للإرهاب في سورية. لقد اعترف إرهابيو ما يسمى بالائتلاف والذين يغطيهم الغرب بالإشارة إليهم على أنهم معارضة مسلحة معتدلة عندما كشفوا أن فصائلهم وكتائبهم تعاونت جنباً إلى جنب مع «داعش» و«جبهة النصرة» في احتلال إدلب وغيرها، وهذا يسقط مقولة المسلحين المعتدلين التي يروّج الغرب لها لإعادة تأهيلها وإيجاد أرضية للتعامل معها.

نحن كسوريين نعرف في قلوبنا وعقولنا أننا سنصمد كما صمدنا طيلة السنوات الأربع الماضية، أو في شكل أكثر شمولية، كما صمدنا طيلة تاريخ هذا البلد. وإذا فقد بعض المشككين عقولهم وذاكرتهم في سعيهم للوصول إلى استنتاجات تخدم مصالحهم في إطار حملة مدفوعة الثمن مسبقاً لتخريب وحدة الشعب السوري الوطنية وتسهيل تدمير منجزات السوريين ومواقفهم وتحقيق ما فشلوا في الوصول إليه عن طريق الحديد والنار، فإننا نؤكد لهؤلاء أن الشعب السوري المؤمن بكل ذرة من ترابه لن ينسى ولن يكون قابلاً للتضليل. ألم يدعي هؤلاء أنهم وصلوا إلى وسط دمشق واللاذقية وحلب وحماة منذ الأسابيع الأولى لبدء أعمالهم الإجرامية في عام 2011، فأين هم الآن؟ إن الحرب كما قال عنها التاريخ العربي كر وفر، والحرب في سورية كانت في معظم مراحلها انتصارات وإنجازات لمصلحة جيشنا السوري ومن يقف إلى جانبه من أبناء شعبنا في جميع أنحاء سورية. كما أننا نجزم القول أن الوضع العملياتي الحالي يتطور بسرعة لمصلحة جيشنا والقوات المسلحة في البعدين التكتيكي والاستراتيجي. وإذا كان علينا أن نقدم تقييماً للوضع الميداني وللوضع السياسي فإننا نجزم أن التصعيد المسلح من قبل الإرهابيين، وكذلك تصعيد الهجمة السياسية من قبل أعداء سورية بمن فيهم المسؤولون الأميركيون والغربيون لا يدل إطلاقاً على ثقة بالنفس من قبلهم، بل إنه دليل بالغ الأهمية وواضح للعيان على الهيستيريا التي أصيبوا بها جميعاً بعد فشلهم المستمر في تحقيق أي تقدم يذكر، خصوصاً في إطار محاولاتهم لفرض تنازلات سياسية على سورية قيادةً وشعباً كما أنه ينعكس فشلاً ذريعاً في تسويق «انتصاراتهم» الموهومة.

لقد سقطت مصر بسهولة بيد الإخوان المسلمين وكذلك تونس والمغرب وليبيا خلال أيام في عام 2012، فيما صمدت سورية أياماً وأسابيع وأشهراً وسنوات. هذا هو السبب الذي أغاظ كل من وقف خلف هذه المؤامرات على أمتنا وعلى دولنا. إن النصر هو صبر ساعة، وساعة النصر التي ناضل شعب سورية وقاوم من أجل الوصول إليها تقترب كل يوم.

إن مساحة التفاؤل بدحر حرب الإرهاب على سورية تتسع في كل يوم، وكل عوامل تحقيق هذا الهدف ماثلة أمامنا: الجيش العربي السوري يزداد قوة وشجاعة وإيماناً بالأهداف التي يسعى إلى تحقيقها. وتقف في قلب النضال لتحقيق الانتصار قيادةً لا تعرف التردد أو التراجع. وهي مؤمنة بكرامة أمتها لا تتنازل عن مقدار ذرة منها. أما شعبنا فإننا نراه يقف بملايينه خلف القيادة ومع الجيش لدحر العدوان والقضاء على الإرهاب.

إن النصر قادم… وسيعود ربيع سورية محملاً بعبق الزهور لها ولأمتها ولكل من وقف إلى جانبها.

(البناء)