Get Adobe Flash player

 

أجرى الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز تغييرات جوهرية، بعضها لم يكن متوقعاً، على الأقلّ بالنسبة لعامة الناس، تمّ بموجبها إعفاء الأمير مقرن بن عبد العزيز من منصب وليّ العهد، وتعيين وليّ وليّ العهد محمد بن نايف بديلاً عنه، وتعيين وزير الدفاع محمد بن سلمان ولياً لوليّ العهد، كما تمّ إعفاء سعود الفيصل من منصب وزير الخارجية، وتمّ تعيين سفير السعودية في واشنطن عادل الجبير بديلاً عنه.

للوهلة الأولى بدا وكأنّ المحرك لهذه التغييرات هو الملك سلمان، لكن الحقيقة هي أنّ محرك هذه التغييرات هما جهتان:

الأولى، هي الولايات المتحدة الأميركية. إذ من المعروف أنّ الأمير محمد بن نايف الذي أصبح الآن وليّ العهد الحصري، يُعتبر من أكثر أمراء السعودية التصاقاً بالسياسة الأميركية، ويعرف حتى داخل المملكة وبين الأمراء أنه رجل الثقة الأول بالنسبة للأميركيين، بمعزل عما إذا كانت الإدارة الأميركية ديمقراطية أو جمهورية، لأنه نجح في إقامة علاقات وطيدة أثناء تسلمه وزارة الداخلية مع النخبة الحاكمة الأميركية وحاز على ثقتها المطلقة. ومما يؤكد وقوف الولايات المتحدة وراء هذه التغييرات، تعيين عادل الجبير سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن وزيراً للخارجية، وربما هي المرة الأولى التي يكون فيها وزير الخارجية من خارج الأسرة الحاكمة. كما أنّ جميع الذين استهدفوا منذ وصول الملك سلمان إلى سدة العرش، كان أولئك الأمراء الذي تجرأوا على نقد السياسة الأميركية في عدد من الملفات، وحاولوا استفزاز واشنطن عبر التلويح بإقامة علاقات مع روسيا ودول أخرى تصنّف عدواً أو منافساً للولايات المتحدة، ومعروف أنّ الأمير بندر بن سلطان، والأمير سعود الفيصل من أكثر الأمراء الذين عابوا على السياسة الأميركية تخاذلها في معالجة بعض الملفات. والتغييرات التي تمّت بموجبها إطاحة مقرن وسعود الفيصل، تشبه التغييرات التي شهدتها قطر عندما تمّت الإطاحة بالأمير حمد ورئيس حكومته حمد بن جاسم، الذي عرف عنه أنه المحرك الرئيس للسياسة القطرية قبل أن يتسلم نجل حمد تميم إمارة قطر.

الثانية، هو الصراع الذي كان متوقعاً في ضوء انتقال منصب الملك من أنجال عبد العزيز المؤسس للمملكة إلى أحفاده. ومن المعروف أنّ المملكتين الأولى والثانية اللتين سقطتا، كان أحد أسباب سقوطهما هو الصراع بين الأمراء الأحفاد على من يكن له الحق في أن يتولى سدة العرش الملكي. هذا الصراع يتجدّد الآن، لأنه من غير المنطقي أن يكون الأمير سعود الفيصل، والأمير مقرن قد طلبا إعفاءهما لأسباب صحية، كما برّر مثلاً أمير قطر تخليه عن الإمارة لنجله تميم. فإذا كان سعود الفيصل يعاني من أمراض كثيرة، فليس ثمة ما يشير إلى أنّ الأمير مقرن يعاني من أمراض تشكل سبباً لإعفائه، وحتى الأمر الملكي الذي تضمن التعيين والإعفاءات لم يشر في حيثياته إلى مثل هذه الأسباب إلا بالنسبة لسعود الفيصل، حتى وإنْ لم تكن جدية. وبديهي أنّ هذا الصراع كان متوقعاً ولعلّ أكثر من توقعه هو الملك عبدالله بن عبد العزيز الذي أصدر قبل وفاته قرارات ملكية سعى من خلالها إلى تثبيت مقرن في موقعه وتحصينه في وجه أي تغيير محتمل، ولهذا يمكن القول إنّ خلع مقرن من منصبه هو بمثابة انقلاب بكلّ ما في الكلمة من معنى.

السعودية بعد هذه التغييرات الانقلاب، ومغامرة الحرب على اليمن، تدخل منعطفاً غير مسبوق في تاريخ المملكة الثالثة، وقادم الأسابيع والسنين مليء بالمفاجآت في «مملكة الرمال».

(البناء)