Get Adobe Flash player

 

منذ اللحظة التي تم فيها الوصول إلى اتفاق – إطار دولي حول الملف النووي الإيراني، كنا نتوقع أن تندفع المنطقة في سباق محموم خلال الفترة المخصصة لصياغة الاتفاق ببنود تنفيذية، وأن تشهد تصعيداً للمواجهة بوجهيها السياسي والعسكري رغبة من كل فريق أو طرف بتحقيق مكاسب تكرس موقعه في الحلول أو التسويات التي باتت المنطقة تندفع إليها إثر فشل العدوان الذي استهدفها. وهو العدوان الذي انطلق من أجل تحويلها مستعمرة أميركية منزوعة الأظافر والأنياب، ولكنه بعد أربع سنوات فشل في تحقيق أهدافه وبدأت التحضيرات للمرحلة الجديدة بعده.

نذكر هذا حتى نخلص إلى القول بأن حدة المواجهات والتصعيد القائم الآن لم يفاجئنا، فقط المفاجئ في الأمر هو أن نـرى طرفاً أو آخر يسعى بقدميه إلى نار تحرقه أو خسارة مؤكدة تحيــق به، خصوصاً تلك القوى الإقليميــة التي كانت الأدوات الرئيسية في العدوان.

لقد لمست تلك القوى، خصوصاً تركيا والسعودية و«إسرائيل»، أن المنطقة بعد الاتفاق النووي مع إيران، وبعد سقوط خطة «داعش» في العراق وسورية وبعد التقدم الذي تحقق على صعيد مواجهة محور المقاومة للعدوان عليه، أن المنطقة ستكون أمام عهد جديد يعطي الأرجحية لمحور المقاومة ومكوناته، وأن فضاءها الاستراتيجي الحيوي سيتقلص في شكل أكثر مما تتقبله، ما يعني أن ما كانت تحلم به من موقع ومفاعيل للعدوان على محور المقاومة منذ نيف وعقد تقريباً، سيأتي بنتائج عكسية في غير صالحها.

ومن أجل قطع الطريق على هذه الخسارة الاستراتيجية، يبدو أن كل من الدول الثلاث شاءت التصرف على خطين متوازيين: خط العمل المنفرد، وخط العمل الجماعي المنسق الذي يهدف إلى تحجيم الخطر إن لم يكن ممكناً دفعه باجتثاثه كلياً، وفي هذا السياق سجل التفاهم التركي السعودي الجديد متجاوزاً الخلافات السابقة حول الإخوان المسلمين ومصر، كما سجل طي صفحة السلبيات في العلاقة بين «إسرائيل» وتركيا وتفعيل الاتصالات السعودية «الإسرائيلية» إلى حد خروجها إلى العلن من غير خجل أو حياء.

أما على الصعيد الميداني فقد اندفعت السعودية وبسلوك غير مسبوق إلى العدوان على اليمن، وشنت عليه هجوماً إجرامياً تدميرياً من أجل استعادته إلى قبضتها وتثبيته في خانة استعمارها المقنع ومنع نجاح أي محاولة شعبية لإقامة الدولة المستقلة التي تتمتع بسيادتها وتملك قرارها المستقل، ثم أرفقت عدوانها بتهديد علني مباشر لسورية، زاعمة أنها ستنتقل إليها بعدوانها بعد الفراغ من اليمن داعمة ذاك بحرب نفسية عالية الحدة.

وبالموازاة ومع ذلك قامت تركيا بإعادة تنظيم الإرهابيين الذين ترعاهم من تنظيم «القاعدة» وسواها ممن يرفع شعارات إسلامية وأنشأت منهم «جيش الفتح» وطعمته بضباط أتراك خبراء وقادة لإدارة العمليات والميدان وجهزته بأفضل ما لديها من سلاح مدرع ومضاد للدروع وأوكلت إليه مهمة التمدد في سورية بمحاذاة لواء الإسكندرون السوري المحتل، بقصد احتلال قطاع يمكنها من امتلاك ورقة تأثير ميداني مباشر في أي عملية سياسية ستجري بحثاً عن حل للأزمة السورية.

أما إسرائيل التي تبقى حركتها الميدانية الظاهرة مكبلة بمعادلة توازن الردع التي ثبتتها المقاومة مؤخراً فأنها عملت على إرسال رسائل نارية ميدانية عبر طيرانها ومدفعيتها للقول بأنها حاضرة في الميدان السوري لمنع تزايد الخسائر في صفوف الجماعات الإرهابية التي تخدم المشروع الصهيو-أميركي، خصوصاً في غرب دمشق وجنوبها وأكثر تحديداً في منطقة القلمون وريفي درعا والقنيطرة مقابل الجولان المحتل.

وفي تحليل للمواقف والتصرفات نجد أن سلوك هذه الأطراف يحاكي ما كنا نظنه من وجود خطة أميركية جديدة للعدوان على سورية، هي الخطة الرابعة التي اعتمدت بعد فشل خطة «داعش»، خطة ترتكز على إشراك الدول المحيطة بسورية مباشرة في الميدان، ولكن العمليات التي قام بها الجيش العربي السوري بنوعيها، العمليات الاستباقية في الجبهة الجنوبية والعمليات النوعية في الجبهة الشمالية، دفعت قبل شهرين الأردن للتراجع قليلاً، ودفعت تركيا للتردد بالعمل. أما الآن ومع المخاوف والهواجس التي ذكرنا يبدو أن تركيا خرجت من ترددها وانخرطت في التنفيذ ظناً منها أنها ستحمي مصالحها الإقليمية عبر الميدان السوري، ولهذا كانت العمليات الإرهابية المأمورة تركياً بالهجوم على إدلب وجسر الشغور.

إن خوف القوى الثلاث التي ذكرت قادها إلى تصعيد العدوان في الشكل المتقدم الوصف، وهنا طرح التحدي على محور المقاومة الذي برع في المواجهة الدفاعية وفقاً للاستراتيجيات التي يضعها لتكون ملائمة لكل مرحلة من مراحل العدوان.

وفي هذا السياق، يبدو أن محور المقاومة اتجه لاعتماد القواعد الملائمة التي تحكم المواجهة في المشهد الجديد، وأنه وبعد اللقاءات المكثفة التي جرت في الآونة الأخيرة والتي كانت زيارة وزير الدفاع السوري إلى طهران إحداها، بات أكيداً أن محور المقاومة اتخذ الإجراءات والتدابير التي تمنع العدو من تحقيق أي من أهدافه معتمداً في ذلك قواعد تؤكد ما يلي:

الاستمرار في استراتيجية الاقتصاد بالقوى الصديقة واستنزاف قوى العدو إلى الحد الأقصى.

حرمان الإرهابيين من فرص الاستقرار في أي بقعة يدخلونها. ومشاغلتهم بالنار الدائمة ومنعهم من إقامة منظومة سيطرة مهما كانت فعاليتها.

تطهير المناطق السورية في شكل متدرج وفقاً لجدول أولويــات محكــم يخدم قرار التحرير الشامل.

عدم التردد في إدخال واستعمال سلاح وعتاد ملائم يتناسب والتهديدات الجديدة.

تثبيت الفضاء الاستراتيجي الحيوي لمحور المقاومة في أبعاده الجديدة وعدم السماح للخصم من النيل من المكتسبات التي تحققت لمصلحة المحور.

لقد بات محور المقاومة على قناعة راسخة بأن العدوان عليه خسر معظم أوراقه ولم يعد لديه الأوراق الفاعلة التي يرمي بها في الميدان وأن المخطط يستعمل الآن أوراقه الأخيرة، لذلك يرى أن من المفيد تركه يحرقها بيده حتى يحرمه من استعمالها في عمل لاحق.

وعلى هـذا الأساس ينظر إلى الفشل الذريع للعدوان السعودي على اليمن، فشل لن يمكن السعودية بأي صورة من الصور استعادة اليمن إلى قبضتها، فخسارتها هناك باتت أكيـدة كلياً أو جزئياً ولن يستمر اليمن حديقة خلفيـة للسعودية مهما استماتت، هذا إذا بقيت السعـوديــة مملكة واحدة في ظل الصراع على السلطة والانقـلابات التي تشهدها العائلة المالكـة. لذلك لن تلقي إيران لها حبل نجاة عبر صدام عسكري معها يؤدي إلى تعويمها.

كما ينظر إلى السلوك التركي على أساس أنه عمل غير قابل للحياة وأن ما أفسد الإرهابيون أمنه في إدلب وجسر الشغور سيكون على موعد مع التطهير في وقت غير بعيد ما يحرم التركي مما حلم به، ولن تكون سورية باباً أو جزءاً من الفضاء الاستراتيجي السوري.

أما «إسرائيل» فسيكون الرد عليها بما يجهض أهدافها أي عبر الاستمرار في تنفيذ الخطط الموضوعة للقلمون تطهيراً وللجولان مقاومة، من دون أن يكون هناك اعتبار أو خشية من حرب تشنها، لأنها إن فعلت ستحرق أصابعها بنارها وهو أمر مستبعد.

باختصار نرى أن محور المقاومة المتماسك البنيان يتصرف في مواجهة الهستيريا الإقليمية الدولية بالعدوان عليه، يتصرف بثقة وصلابة تقود إلى إنتاج طمأنينة راسخة من أن تثبيت المكتسبات أمر لا رجعة فيه.

(البناء)