قرّر البرلمان الباكستاني رفض المشاركة العسكرية لإسلام آباد في الحرب السعودية. كما قرّرت تركيا الابتعاد عن التحالف، مبرّرةً وجودها ضمنه لوجستياً وسياسياً فقط. أما نواز شريف ـ رئيس الوزراء الباكستاني ـ فقد وعد السعوديين بالتدخل البرّي لحمايتهم في حال تم تهديد الحرمين!

لا قوة برّية للتحالف السعودي في اليمن حتى اللحظة. فالدول الخليجية التي اعتمدت في أمنها ووجود سلالاتها الحاكمة على اتفاق تعاقدي مع البريطانيين ومن بعدهم الأميركيين، الذين يشرفون مباشرة على حماية جغرافيا الجزيرة العربية من أي تهديد يلوح، كما حصل أثناء «عاصفة الصحراء»، هذه الدول لا تحظَ اليوم بقوات برّية غربية مستعدّة للمشاركة في المغامرة السعودية. فالرئيس الأميركي اتخذ مسافة ودعا الرياض والدوحة وغيرهما إلى تطوير تدخلهم في الدول التي يطالبون واشنطن بالتدخل فيها، وضمنها ـ أو على رأسها ـ سورية.

أما القاهرة التي لا تزال متحفظة على العملية البرّية، فإنها لا تستطيع تحمّل عبء العمليات وحدها من دون وجود شريك آخر لا يبدو أنه متوفّر. في ضوء الرفض الباكستاني، والانكفاء الأميركي، والتحفظ التركي، جملة مواقف تضع مصر في عين العاصفة، وفي مقدّم دول «التحالف السنّي». فهل تعيد تكرار تجربتها الخائبة على أرض اليمن؟ أم يشترط السيسي العودة إلى مجلس الأمن الدولي لتغطية توسيع عمليات تحالف السعودية في اليمن؟ وهو الاحتمال الأكثر رجحاناً في ضوء تجربة السيسي نفسه في ليبيا عندما ارتأى ضرورة الحصول على تفويض من مجلس الأمن لضرب «القاعدة» فيها. لكن ذلك لم يناسب الرياض وواشنطن على حدّ سواء.

نعود إلى مملكة آل سعود، التي لم تحقق أيّ تقدّم يذكر في قصفها الوحشي على اليمن سوى قتل المدنيين وتدمير ما تبقى من بنىً تحتية بحجّة أنها مستودعات سلاح للحوثيين في اليمن. متناسيةً أنّ في البلاد أربعين مليون قطعة سلاح مع استثناء مستودعات السلاح التي تمَّ تدميرها في القصف الجوي الخليجي على اليمن، في مقابل تقدم الجيش اليمني و«أنصار الله» واللجان الشعبية في عدد من المحافظات اليمنية ومنها عدن، التي انطلق العدوان الخليجي ـ العربي على خلفية وصول «أنصار الله» إليها. فهل تتدخل السعودية وما تبقى من دول الخليج برّياً من دون مساعدة عربية؟ أو هل تشكل السعودية قوة برّية لضرب اليمن تكون هي عمادها لا القوات المصرية أو الباكستانية كما كان مقرراً؟

لم يستولِ الطيران أبداً على أرض أو يسيطر عليها. لم يحرّرها حتى. هو يدمر فحسب فاسحاً في المجال أمام القوات البرية للتقدّم. ووفقاً للكاتب بريان داونينغ في مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية، فإن «مراقبي الوحدات السعودية في حرب الخليج الأولى، وهي آخر عملية انتشار كبيرة لها، لم تثر هذه الوحدات إعجابهم». فبرامج تدريبها لا تقارن بتلك التي تملكها القوات الغربية المدافعة حينذاك عن أمن الخليج. واليوم لا يتوقع أن هذا التقدير قد تغيّر في بلاد رائدة فقط في تطوير التخلّف والجهل، وتصدير الذبّاحين وقاطعي الرؤوس. هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، وفي ضوء التداخل السكاني بين اليمن والسعودية، وطبيعة التكوين القبلي للدولتين، ومن دون أن نغفل سلخ السعودية كلّاً من نجران وجيزان وعسير عن اليمن، فإن القوات البرّية الخليجية لا تستطيع الدخول في حرب طويلة الأمد مع «أنصار الله» والجيش اليمني، لغياب العقيدة التي توحّد القوة المقاتلة، حتى لو كانت الحرب تقاد تحت ستارة مواجهة النفوذ الشيعي في المنطقة. إلا أن الجيوش الخليجية ومنها السعودية تعتمد على تحالف القبائل، التي بدورها تتسابق إلى الخدمة في صفوف الجيش للتقرّب من العائلة الحاكمة ومنافسة هذه القبيلة أو تلك على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية. فيما يغيب الاحتراف عن هذه المؤسسات المزوّدة بأفضل أنواع الأسلحة، كون المناصب القيادية الحساسة تمنح لأمراء العائلة الحاكمة وأصحاب النفوذ من المرضي عليهم، لا للعسكري المحترف. وهنا تختصر فعالية هذه الجيوش وعملانيتها في القتال البرّي إلى الحدود الدنيا.

المأزق السعودي لا يزال على حاله، فيما القاهرة تستطيع أن تقدّم حبل نجاة موقت من الغرق على حساب دماء أبنائها. وإن كان ذلك غير واضح حتى اللحظة. فيما العين على الحدود اليمنية ـ السعودية لرؤية مآلات الهجوم البرّي السعودي، أو ردّ فعل اليمنيين على استمرار القصف والذي يمكن أن يندفع باتجاه الحدود السعودية قبل أن تشكّل مملكة الرمال قوّتها البرّية.

(البناء)