نائب وزير الخارجية السورية

لا أضيف جديداً إذا قلت إنّ هدف الحرب التي يشنها الإرهابيون ومن يدعمهم على سورية هو النيل من حرية سورية ونزوع شعبها وقيادتها إلى الحفاظ على سيادة سورية والتضحية من أجل قيمها وحضارتها وكرامة أمتها. هذا هو قدر سورية وقدر كلّ من وقف إلى جانب مواقفها المشرفة في الوطن العربي وخارجه، لأنّ جميع هؤلاء يمثلون أسمى وأبهى صور التزام قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بأشكالها الجماعية والفردية. إنّ ما دفعني لكتابة هذه الكلمات هو احتفال شعب سورية وأشقائه وأصدقائه في الوطن العربي وفي العالم بالذكرى التاسعة والستين لعيد الاستقلال الذي صنعه الشعب السوري بقيادة أبطال واجهوا الاستعمار الفرنسي بالإيمان بكرامة شعبهم وبصدور عارية لا تهاب الموت في سبيل الوطن.

معركة الاستقلال لم تكن معركة عابرة، أو معركة لمرة واحدة. فسورية كانت دائماً محطّ أطماع المستعمرين من غزاة الشعوب. فلم تكد سورية تتخلص من الاحتلال العثماني الذي دام حوالى خمسة قرون، إلا وكان المستعمرون من بريطانيين وفرنسيين يقفون على بوابات الوطن العربي من محيطه إلى خليجه. فما أقرب الأمس إلى اليوم.

في وقت كانت حركة التحرر العربية تتطلع إلى تحقيق الاستقلال الناجز لكل العرب في أنحاء الوطن كافة، كان من ادعى إخلاصه لقيم الحرية والاستقلال وحقوق الإنسان يخطّط في الخفاء كي يبسط سيطرته وهيمنته وحقده على بلداننا. وبينما كان اللبنانيون والسوريون يحاولون فتح أعينهم لرؤية نور الصباح الجديد، وجدوا جنود الاحتلال الفرنسي المدججين بالدبابات والمصفحات في مدنهم وقراهم ليفرضوا نوعاً آخر من الاحتلال هو الاحتلال «الحضاري الغربي»، وذلك في إطار اتفاق سيّئ السمعة أسموه باتفاق «سايكس بيكو» الذي جرى التوصل إليه بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، خلافاً لما كان قد تمّ التوصل إليه بين قيادة الثورة العربية الكبرى والحكومتين البريطانية والفرنسية. ولمن لم يتعرّف إلى حقائق التاريخ، فإننا نذكر بأنّ من أبلغ العرب بمؤامرة «سايكس بيكو» كان قادة الاتحاد السوفياتي بعد ثورة «أكتوبر»، وها هم الأصدقاء الروس في أيامنا هذه يتابعون هذا الإرث التاريخي من خلال وقوفهم مع سورية ومع العرب ضدّ الإرهاب والأطماع الغربية.

أعود إلى إبراز هذه الصفحات من تاريخنا التي يعرفها بشكل خاص أطفال سورية ولبنان ناهيك عن باقي مواطني هذين البلدين اللذين تربوا على معرفة هذه الحقائق التاريخية، كي أفسّر خلفية الجشع الذي لم يتراجع من قبل فرنسا وبريطانيا، بشكل خاص، لتثبيت وجودهما الاستعماري الشنيع في المنطقة. ويتبلور هذا الأمر من خلال سياسة لم تتغيّر منذ القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة، وربما لقرون مقبلة، من قبل الاستعمارين الفرنسي والبريطاني تقوم على التدخل في شؤون هذه المنطقة ليس لأيّ سبب سوى وجود أطماع دنيئة لهما في أرضنا وثرواتنا. ومن الواضح أنّ هذه المصالح بقيت نفسها تحت أي نوع من أنواع الحكومات الغربية سواءً كانت عمالية أو محافظة أو اشتراكية أو يمينية جمهورية أو ديمقراطية أميركية فإنها لا تتغير، ويبدو أنها لن تتغيّر!

إنّ هذه الدول بشكل خاص هي التي ارتبط تاريخها في منطقتنا بأكثر الألوان سواداً. لم تتعلم هذه الدول من دروس التاريخ وبخاصة هزائمها في المنطقة، حيث انسحب البريطانيون والفرنسيون من العراق وسورية ولبنان وهم يجرّون ذيول الخيبة والهزيمة المريرة بسبب الثورات التي قام بها أبناء البلاد صوناً لأرضهم وعرضهم وكرامتهم. وإذا كنا نستذكر في يوم السابع عشر من نيسان من كل عام، بل وفي كل يوم من أيام العام، أسماء مجاهدينا الذين قاموا بقيادة النضال ضد الفرنسيين في سورية مثل قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، وصالح العلي، وفوزي القاوقجي، ويوسف العظمة، وأحمد مريود، وحسن الخراط، وسعيد العاص، فإننا لا يمكن إلا أن نذكر المجاهد الكبير إبراهيم هنانو الذي اتخذ من الشمال الغربي السوري أرضاً للنضال والتضحية. والمجاهد إبراهيم هنانو نفسه هو الذي كان الهدف الرئيسي أخيراً لقطعان الإرهابيين التي دخلت مدينة إدلب وتوجهت فوراً إلى التمثال الذي يخلد التاريخ المشرف لهذا المجاهد، وكانت أول جريمة ينفذونها هي تدمير تمثال هذه الهامة الوطنية والإنسانية الكبيرة، الأمر الذي يدل على أن حقد الفرنسيين الذين دعموا وقدموا التمويل والتسليح لهذه المجموعات الإرهابية ما زال قائماً حتى يومنا هذا. لقد كنا نتحدث عن نقلة من الاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد، إلا أن الذي اتضح خلال مواجهات سورية الأخيرة مع أعدائها للحفاظ على استقلالها وسيادتها هو أن الاستعمار هو الاستعمار وقديمه لا يختلف عن جديده. والأمر الذي أصبح الآن واضحاً لجميع السوريين هو أن نوايا فرنسا لم تختلف منذ دخول غورو إلى سورية بتاريخ 24/ تموز – يوليو عام 1920 وحتى الآن سواءً كانت فرنسا يقودها اليميني ساركوزي أو الاشتراكي هولاند.

لقد حصل الكثير من دول العالم على استقلاله وارتفع عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من حوالى خمسين بلد عندما تم تأسيس المنظمة الدولية في عام 1945 إلى مئة وثلاثة وتسعين بلداً الآن، إلا أن ذلك لا يعني إطلاقاً أن الكثير من دول العالم قد حصل على استقلاله الناجز. فبعض الدول ما زالت مكبلة بقيود أطلقوا عليها اتفاقات مع الدول الاستعمارية وما زالت في كل ما تقوم به تعود إلى مرجعياتها في الغرب لاتخاذ القرار إزاء أوضاعها الداخلية أو علاقاتها الإقليمية والدولية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية. فهل يمكن على سبيل المثال، اعتبار السعودية وتركيا بلداناً مستقلة؟ بل وهل يمكن اعتبار بعض الدول الغربية بما فيها تلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مستقلة في علاقاتها مع ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة أو بشكل أساسي في علاقاتها الفضائحية مع «إسرائيل»؟

إن الحرب الإرهابية الاستعمارية المعلنة على سورية هي أوضح دليل على أن العالم لم يتخلص حتى الآن ولا حتى زمن مقبل قد لا يكون قصيراً من الاستعمار ونواياه المبيتة ضد دولنا النامية. ونعترف أن الدول الاستعمارية قد راهنت على أن مستعمراتها ستعود إليها صاغرة طائعة، إلا أن صبر دول استعمارية مثل فرنسا لم يطل وها نحن نراها تتابع بشكل أو بآخر مصالحها الاستعمارية سواءً في الشرق الأوسط أو أفريقيا أو آسيا أو حتى في أوروبا ذاتها. وإذا كان البعض يشكك في ما نقول، فإننا نلفت الانتباه وبشكل محدد إلى ما تقوم به فرنسا في لبنان وسورية وفي مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى والمستعمرات الفرنسية السابقة في غرب أفريقيا. وكذلك تتصرف بريطانيا في مستعمراتها القديمة سواءً كانت في الأردن أو شرق أفريقيا أو استعمارها الذي ما زال مستمراً لجزيرة المالفيناس الأرجنتينية في البحر الهادئ.

إن الاستقلال الحقيقي لأي شعب لا يقاس فقط برحيل القوات الأجنبية عن أرضه، بل إن الاستقرار يعني حرية القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتقرير المصير وتأكيد السيادة وتحرير الأرض وتحرر الإنسان من الفقر والعوز والجهل. وهذا هو ما قامت به سورية صوناً لاستقلالها وسيادتها وبخاصة بعد عام 1970. ونظراً إلى عدم تهاون قيادة سورية بقيم ومعاني الاستقلال وبالدماء الطاهرة التي سالت أنهاراً لتحقيق استقلال سورية عام 1946 وعدم التفريط بنقطة واحدة منها، فإن سورية تواجه الآن معركة الحفاظ على استقلالها. والحفاظ على الاستقلال قد يكون أحياناً أصعب من تحقيق الاستقلال ذاته، ولهذا تتعرض سورية الحبيبة لهذه الحرب الإرهابية لحرفها عن موقفها إزاء قضية العرب المركزية قضية فلسطين والتي جعلتها سورية بوصلة النضال في نضال العرب الحديث، إضافةً إلى قرار المستعمر وأدواته وقف تطور سورية المستقل والذي جعل منها خلال السنوات العشر الأخيرة الأنموذج الذي يحتذى والأمل الذي يتطلع إليه العرب، كل العرب، بعين التقدير والإعجاب.

ستنتصر سورية على الإرهاب وقطعانه من «داعش» و«جبهة النصرة» و«جيش حر» وتنظيمات تزور الإسلام بأسمائها وأفعالها، وستثبت سورية الحالية لكل العالم أن سورية التي طردت الاستعمار الفرنسي قبل تسعة وستين عاماً لتحقيق استقلالها وحريتها فإنها في حربها الآن على الإرهاب وداعميه، بما في ذلك فرنسا والسعودية وتركيا والأردن، ستكسب معركة الحفاظ على استقلالها وسيادتها لما فيه خير شعبها والأمن والسلم والاستقرار في المنطقة والعالم.

(البناء)