Get Adobe Flash player

فوجئ الأميركيون بصلابة الموقف الفلسطيني من صفقة القرن، كما فوجئوا بضعف الموقف الخليجيّ والعربي المساند، وفقاً لما كانت عليه الوعود. وكانت التقديرات مبنيّة على تردّد فلسطيني يواكبه ضغط خليجي ماليّ وسياسيّ وصولاً لمواقف علنية مؤيدة للصفقة تنتج صفوفاً عربية وبالتالي إسلامية ودولية منقسمة حول التعامل مع الصفقة، لكن التفاعلات التي ظهرت بعد الإعلان عن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وما رافقها فلسطينياً وتلاها عربياً وإسلامياً ودولياً، جعل الرهان على اختراق فلسطيني أقرب للاستحالة. فبموازاة الوضع المالي السيئ للسلطة الفلسطينية ولحال الحصار التي يعيش الفلسطينيون تحت وطأتها، يعيش الإسرائيليّون هاجس الأمن في مواجهة انتفاضة قيد التشكل من جديد، ومقاومة قيد التصاعد، ما يجعل الحذر الإسرائيلي من الذهاب بعيداً في إجراءات الضم والتهويد والتهجير، تواكبهم نصائح أميركية بالتروّي.

Read more: لبنان الخاصرة الرخوة لصفقة القرن وليس فلسطين… لولا المقاومة: ناصر قنديل

خلال أربعين عاماً هي أعوام ما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وهي الأعوام التي أمضى الشهيد القائد عماد مغنية ما تيسّر له من العمر منها منذ البدايات الأولى حتى يوم الرحيل قبل اثنتي عشرة سنة، كان العنوان الذي أعلنه الإمام الخميني وتعاهد عليه مع رفاقه في قيادة الثورة، بناء نموذج ثوريّ جديد يستند إلى الإسلام لا يصيبه التكلّس والفساد من الداخل، ولا يساوم على الاستقلال والتنمية مع الخارج، ويبقي جذوة المواجهة مع المشروع الأميركيّ الإسرائيليّ مشتعلة، وفي ذكرى انتصار الثورة، الحادية والأربعين، ومع مرور أربعين يوماً على استشهاد القائد قاسم سليماني، تحلّ الذكرى الثانية عشرة لرحيل العماد، ويستحق كشف حساب.

Read more: كشف حساب في يوم العماد وأربعين القاسم: ناصر قنديل

تملك جميع الأطراف خطاباً سياسياً تجاه الموقف من الحكومة، لا ترد فيه مفردة العلاقة بسورية، كمكوّن مؤثر في صياغة موقفها. فالكل بداعي ترفّع كاذب عما يسمّيه العوامل الإقليمية والنأي بالنفس عنها، يربط موقفه المعلن بخطاب يتحدّث عن الفساد ومحاور الفشل الحكومي، مدّعياً مرة أخرى ترفعاً كاذباً عن دوره فيه. والكل يتحدّث عن المحاصصة وبترفع كاذب يُنكر تاريخه فيها. والكل يتحدث عن المشاكل المالية والتقتصادية من خواء الخزينة والتصرف بأموال المودعين، إلى شكل التخاطب مع الخارج الذي يعد بالتمويل وشروطه بتأييدها أو معارضتها، والنقص المريع في الخدمات وخصوصاً الكهرباء، والبطالة وضعف الطبقات الفقيرة، ويتجاهل هذا الكل، خصوصاً مَن أمضى سنوات يرسم السياسات ويقر الموازنات ويقرّر التوجهات، ويشارك بقوة في التعيينات والصفقات، أن مسؤولية الحكومة الجديدة تنحصر في مدى قدرتها على لملمة شظايا كارثة صنعها الآخرون، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئيس الحكومة، وأن هؤلاء الآخرين، خصوصاً من كان منهم رئيساً للحكومة، آخر من يحق له المحاضرة في العفة، والحديث عن الترفع تجاه المال العام أو التصرف بروح المسؤولية تجاه كل ما يتصل بالشأن العام.

هذا الذي يصحّ في القوى المنتمية لفريق الرابع عشر من آذار لجهة تغييب العامل الحاسم في موقفها السلبي من الحكومة، يصحّ أيضاً في أغلب القوى المشاركة في الحكومة، لجهة أنها لم تقم بمراجعة حقيقية للسلوك الذي أفضى بلبنان إلى الكارثة، والذي شاركت بتحمل مسؤوليته خصوصاً بمشاركة قسم فاعل منها في السعي لتشكيل شريك المناصفة في لعبة المحاصصة، والاستعداد للتغاضي عن السياسات المالية البائسة المسؤولة عن الخراب المالي والاقتصادي إذا نال ما يريد من حصة في التعيينات والمكاسب التي يحققها الوجود في مؤسسات الدولة، باعتبار الدولة ومؤسساتها وخدماتها آلة صناعة الزعامة وترسيخها في نظام المحاصصة، وها هي تركيبة الحكومة الجديدة والشروط التي فرضت على كيفية ولادتها تحمل بصمة جينية تنتمي للمنهج ذاته الذي تمّت عبره صياغة المشاركة في حكومات سابقة، فتغيّر الشكل ولم يتغيّر الجوهر.

Read more: العلاقة مع سورية أساس الفرز حول الحكومة: ناصر قنديل

– في أحسن الأحوال كان الحجر الذي أصاب رأس النائب القوميّ الدكتور سليم سعادة ينتظر أي نائب أو وزير، والغاضبون في الشارع لا يعرفون سليم سعادة ولا مَن هو ولا مَن يمثل ليفتحوا له ممراً، كالذي فتحه رفاقهم مرات عديدة لمواكب زعامات يعرفونها ويعرفون وجوه وتاريخ قادتها ويعيشون الرهبة تجاهها، أو يرغبون بتفادي غضبها أو طلب رضاها، وهؤلاء يملكون من الثقة بالنفس لحد الغرور بأنهم على حق وأنهم الشعب اللبناني وممثلوه الحقيقيّون، وأنهم محكمته وقضاؤه العادل وقد أصدروا الأحكام، وها هم ينفّذونها، فعلى رأس مَن وقع حجرهم الأول؟ على رأس سليم سعادة، النائب المنتمي للحزب الذي أشعل زعيمه أول وآخر ثورة جدّية منظمة وهادفة في تاريخ لبنان، أنطون سعاده الثائر الذي أُعدم بالرصاص، فكان الأول والوحيد مرتين، الأولى كأول وآخر رئيس حزب يشعل ثورة، والثانية كأول وآخر رئيس حزب تنفذ السلطة فيه حكم الإعدام، وسليم سعادة النائب هو الذي لم يسجّل في تاريخه الناصع ككل القوميين، أي سقطة أو ارتكاب أو صرف نفوذ، وهو الآتي ممثلاً للشعب تحت قبة المجلس بمحبة الناس لا بعصب الطوائف أو مال الرشاوى، وهو الذي دأب في كل دورة نيابية حملته إلى المجلس على مناهضة السياسات المالية التي أوصلت البلد إلى حيث هو اليوم، وحيث جاءت انتفاضة الناس تلاقي تحذيراته الدائمة من الانفجار والانهيار معاً، لكن وقوع الحجر على رأس سليم سعادة جاء رمزياً وكافياً لشرح المشهد الذي تعيش البلاد في ظله.

Read more: إصابة سليم سعادة تختصر مأزق الحراك والمشهد السياسيّ: ناصر قنديل

 

يتعامل الكثيرون باستخفاف مع التزام قوى وحكومات محور المقاومة بإسقاط صفقة القرن، ويستعينون بكل ما لديهم من وسائل التعجب للقول إنها أميركا يا جماعة، ومعها الغرب والعرب، وما تقوله ثمرة دراسة وتوظيف مقدرات، وليس من الواقعية توقع سقوط صفقة القرن بعدما أعلنها الرئيس الأميركي، بل يمكن الاكتفاء بإعلان الاعتراض عليها، ويستعينون بالذاكرة ليستحضروا مثال كامب ديفيد، ليضيفوا أن أربعة عقود مضت على توقيعه ولا يزال على قيد الحياة، ورغم وجود معارضة واسعة له بقي أمراً واقعاً. وكي يكون النقاش مبسطاً وسهلاً على هؤلاء، لن نغوص في الفوارق الكبيرة بين حالتي كامب ديفيد وصفقة القرن، حيث لا وجود لشريك فلسطيني في صفقة القرن مقابل وجود رئيس مصري يزور القدس ويعلن استعداده للتوقيع في كامب ديفيد، وحيث الموضوع في صفقة القرن يتصل بالقدس ومستقبلها، بينما يتعلق الأمر بسيناء في كامب ديفيد، ومقابل تضمين صفقة القرن منح القدس لكيان الاحتلال، قامت تفاهمات كامب ديفيد على عودة سيناء لمصر، لكننا سنتخطى كل ذلك ونخفض مستوى النقاش بالعودة إلى الذاكرة فقط والمقارنة مع مخزونها.

Read more: 6 شباط: إسقاط 17 أيار…
 وإسقاط صفقة القرن!: ناصر قنديل