Get Adobe Flash player

بالرغم من تأكيده على تخصيص كلمته للمناسبة الدينية التي يمثلها منتصف شعبان، أطلق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في كلمته جملة من العناوين، التي ترتبط بالأسئلة العميقة الثقافية والفكرية والوجودية التي طرحتها هذه الهيمنة المطلقة لجائحة كورونا على البشرية أفراداً وجماعات وعقائد وأنظمة وأنماط حكم، بصورة لم تطرح فيها من قبل. فالبشرية التي عرفت أحداثاً غيّرت مسارها في العلم عبر الاختراعات والمبتكرات والاكتشافات والثورات العلميّة، وفي الحروب العالمية والإقليمية، وفي الأمراض والأوبئة، وظهور الفلسفات والعقائد، والتي كانت لها آثار كمية ونوعية هائلة في مجال فعلها ومدى تأثيرها، في زمانها وما بعده، لم يحدث أن برزت ظاهرة تشغل البشرية كلها في وقت واحد على مساحة الكرة الأرضية كلها، وتصير شغلها الشاغل، بأجيالها، وأعراقها، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، أغنياء وفقراء، متعلمين وغير متعلمين، حكاماً ومحكومين، وهم جميعاً مصابون بالتسليم بالعجز والضعف والذهول والحيرة، ومفروض عليهم السكون والشلل والانكفاء والتجمد، لشهور ليس لها رغم كل الجهود العلمية والحكومية، نهاية واضحة بعد.

Read more: من وحي كلمة السيد نصرالله: ناصر قنديل

يعتبر الكثيرون ممن قرأوا كتابي 6 شباط الثورة التي لم تنته الصادر عام 1985، عن انتفاضة السادس من شباط 1984، التي ولدت من رحمها زعامة الرئيس نبيه بري، أنه أول كتاب للتبشير بولادة هذه الزعامة، والكتاب، الذي قدّمه الرئيس بري، رغم معالجته لأحداث بحجم الاجتياح الإسرائيلي ومشروع اتفاق 17 أيار وتجربة المقاومة في انطلاقتها، لا أنكر أنه يدور حول محور هو نبيه بري، ولم يزعجني حينها أن أسمع تكرار هذا الوصف، وقد تعرّفت بالرئيس بري قبل ذلك بأعوام عندما عدتُ من الجنوب بعد مشاركتي في مقاومة الاجتياح الإسرائيلي عام 78، وتولينا الرفاق في رابطة الشغيلة وأنا منهم، إصدار صحيفة صوت الشغيلة اليوميّة وإطلاق إذاعة صوت الثورة العربية، كمنابر للمعارضات العربية، وقد احتلت المعارضة العراقية يومها، التي تتوزع مسؤوليات الحكم اليوم بتلاوينها الإسلامية والقومية والكردية، مساحات أساسية في المنبرين، وكان المقرّ الرئيسي في ملجأ المبنى الذي يسكنه الأمين العام للرابطة النائب والوزير السابق زاهر الخطيب، وهو المبنى ذاته الذي يسكنه الأستاذ نبيه بري، الذي عرفنا أنه هدف أمني للمخابرات العراقية التابعة للنظام السابق ومثلها للمخابرات الليبية، بصفته الناطق الرسمي بلسان حركة أمل التي كانت تحت وطأة الغضب من إخفاء من مؤسسها الإمام السيد موسى الصدر، وكان قرارنا أن نحمل مسؤولية مواجهة أي استهداف يسعى للنيل منه، بينما كانت حركة أمل في تلك الأيام تدفع فاتورة موقفها المشابه لموقفنا في إدانة اغتيال السيد محمد باقر الصدر، ودعم ثورة الإمام الخميني في إيران، وفوقهما فاتورة متابعة قضية إمامها المغيّب.

Read more: نبيه بري المدرسة… فما هي الدروس؟: ناصر قنديل

المعطيات المتوافرة حتى الآن أن الصيغة العملية المتاحة لعودة المغتربين الراغبين بالعودة، مشروطة بتحمّل هؤلاء أكلافاً مادية لا تتناسب إلا مع الطبقة الوسطى منهم وما فوق، حيث كلفة بطاقة السفر تزيد عن خمسة أضعاف سعرها الطبيعي في ظروف عادية، وكلفة الإقامة الفندقية لفترة الحجر تشبه أسعار المواسم، فعندما يكون سعر بطاقة السفر المقترح من أفريقيا أكثر من 1800 $، وسعر الإقامة المقترح 80 دولاراً لليلة الواحدة، أي 1200 $ لخمسة عشر يوماً، فهذا يعني أن كلفة الفرد العائد هي 3000 $ يجب أن يقوم هو بتأمينها لتتسنّى له العودة ضمن الخطة الحكومية، وعندما يكون الأمر متعلقاً بعائلة من خمسة أفراد يصير المبلغ المطلوب هو 15000 دولار. فهذا يعني أن البعض في لبنان يعيش وهم الاعتقاد أنه عند الحديث عن الاغتراب، فالأمر يتعلق بأكياس مال، وكأن ليس بين هؤلاء فقراء، بينما أغلبيتهم تمتنع عن المجيء صيفاً إلى لبنان لأنهم لا يملكون ثمن بطاقة السفر العادية بمئات الدولارات، وأنهم هاجروا لأن سبل الحياة ضاقت بهم في بلدهم، وراحوا يرتضون شظف العيش ومصاعب شروط العمل لتحصيل ما يمكن أن يؤمن الحد الكريم من العيش لعائلاتهم.

Read more: عودة المغتربين والبعد الاجتماعي مسؤوليّة الدولة: ناصر قنديل

تتكاثر التحليلات عن فرضيّة يسمّيها أصحابها بالهروب إلى الأمام، ومضمونها قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحرب خارجية كبرى تصرف الأنظار عن الفشل في مواجهة فيروس كورونا، وتتيح للرئيس الأميركي خلط الأوراق والحصول على فرص أفضل انتخابياً، والسيطرة على حملات خصومه داخلياً بالاستناد على مفهوم الروح الوطنية في حال الحرب، ويندرج في إطار هذا التقدير الحديث عند البعض عن حرب كبرى على الصين، أو أخرى على إيران، أو ثالثة في العراق بوجه قوى المقاومة، وهي الأكثر رواجاً بين الفرضيات، لتناسبها مع التهديدات الأميركية، ومع بعض الإجراءات كنشر صواريخ الباتريوت في قواعد أميركية في العراق.

Read more: لا حروب في زمن الكورونا وما بعده: ناصر قنديل

يظنّ الكثيرون، بسبب الدعاية المشوّهة وقلة المتابعة، أن إجراء التأميم هو خطوة اشتراكية، لا يمكن حدوثها في النظام الرأسمالي القائم على الاقتصاد الحر ومعايير اقتصاد السوق، لأنه لا يعلم أن إجراءات التأميم الأقرب لزماننا، حدثت في دول الرأسمالية العريقة، أميركا وبريطانيا وفرنسا، قبل اثنتي عشر سنة فقط، عندما طال المصارف في هذه الدول التأميم الجزئي أو الكلي، جواباً على التعسر العام الذي وقع فيه الاقتصاد العالمي، والأميركي والأوروبي خصوصاً عام 2008، ذلك أن التأميم لا يعني المصادرة، ولا وضع اليد على الملكية الخاصة، التي لا تمثل في حال المصارف إلا ملكية الرأسمال من قبل أصحاب المصارف؛ بينما ما تملكه المصارف، فهو ملك تضامني للمودعين، سواء كان بصيغة موجودات عقارية، أو سندات دين ورهونات. وعندما تقع المصارف في سوء الإدارة، فتعجز عن تلبية حقوق مودعيها، لأنها لم تقم بواجباتها المهنية، بسبب طغيان الطمع والجشع، فسمحت بتراكم استثماراتها في الديون غير المؤكدة التحصيل، ما تسبب بعجزها عن الإيفاء بحاجات المودعين، تتدخل الدولة، فتعزل الإدارة، وتمنع الرواتب المتضخمة وموازنات الإنفاق المترفة للمدراء، وتتخذ الإجراءات التي تضمن إعادة رسملة وهيكلة المصارف، وتمنع وضع اليد على الرهونات العقارية، وهو ما تلجأ إليه المصارف عادة لمحاولة الترسمل السريع وتفادي الأزمة، رغم تهديده للآلاف والملايين من الأسر بالتشرد وخسارة منازلها، وتحول دون تحول الإدارة المصرفية إلى وحش يتغول بالوكالة عن الاقتصاد الحر وباسمه ليبتلع المجتمع ويتسبب بالإفقار والتجويع والتشرد.

Read more: تأميم المصارف… آخر الدواء… رأسماليّ لا اشتراكيّ: ناصر قنديل