Get Adobe Flash player

يحاول الكثيرون وضع كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في سياق استنسابي وانتقائي بعيد عن الموقع الذي يفترض فيه قراءة المواقف التي تصدر عن قائد بحجم ومكانة وتأثير السيد نصرالله. وتعدد الجبهات التي يقرأ منها ما يصدر عنه، والذين يقعون في الاستنسابية والانتقائية يقارنون كلمة السيد نصرالله بكلمته الأخيرة لجهة نبرة التخاطب مع الحراك الشعبي، ويستنتجون أن السيد نصرالله استبدل التحذير من الذين يملكون مشروعاً وأدوات لإدارة الحراك وتوجيهه إلى الدعوة لأخذ مطالبه، متجاهلين بهذا الاجتزاء أن هذه هي الكلمة الثالثة للسيد منذ بدء الحراك، حيث الكلمة الأولى كانت أشدّ حرارة في مدّ الجسور مع الحراك، والدعوة لأخذ مطالبه، وقد جاءت في ذروة التظاهرات، والقراءة الصحيحة هي التي تأخذ الكلمات الثلاث وترسم خطاً بيانياً للموقف على إيقاع المسار الذي يسلكه الحراك ومعه، وربما أحياناً خلفه وأحياناً أمامه، تسلكه التطورات السياسية في لبنان، وتحديد مركز الثقل المطلوب مخاطبته، والوظيفة التي يؤديها كل مكوّن من عناصر المشهد السياسي، والحراك أحد هذه المكوّنات وليس كلها، ومرة يكون أبرزها ومرة يتراجع إلى الخلف، وبالتالي فهم المهمة الوظيفية للمواقف التي تضمنتها كلمة السيد في كل مرة.

Read more: منعاً للالتباس... اقرأوا السيد جيّداً: ناصر قنديل

بات واضحاً أنّ هناك مشروعاً سياسياً داخلياً وخارجياً يقوم على تمرير بقاء الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة، مقابل ضمان خروج القوى السياسية من الحكومة لحساب ما يُسمّى بالتكنوقراط. وأنّ الحراك بعدما نجح الإمساك بدفته بوضوح بات جزءاً منخرطاً في هذا المشروع. والواضح أن هذا سيعني التحكم بالخيارات السياسية للدولة من قبل رئيس الحكومة، كسياسي وحيد في الحكومة. وبالمقابل سيكون أي اشتراط في تكوين الحكومة لضمان مشاركة متوازنة سياسياً وطائفياً، معرضاً لمواجهة ضغط في الشارع تحت تهديد الاتهام بالمماطلة بحكومة تحقق آمال الشارع بإصلاح جدّي، سيتمّ نسيانه عند الفوز بحكومة مطواعة، تلبي شروط الخارج وتفتح لها أبواب التمويل لقاء ذلك.

Read more: حكومة لستة شهور للانتخابات: ناصر قنديل

كتب الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني خالد حدادة مقالاً نشره على صفحته على الفايسبوك، يناقش فيه المواقف التي أطلقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في إطلالته الأخيرة حول الحراك الشعبي والمخاطر والمخاوف والشعارات. ولغة حدادة القاسية الأقرب إلى نبرة القطيعة وليس الحوار، تستحق النقاش كما الحجج التي ساقها لتفسير موقفه، ليس فقط لكونها تعبّر بصورة غير رسمية عن مواقف تفسر اصطفاف الحزب الشيوعي اللبناني، وتفلسف هذا الاصطفاف، بل أيضاً لأنها الأشد جرأة ووضوحاً من بين همهمات في صفوف الكثير من اليساريين والوطنيين الذين يدعون حزب الله للانخراط في الحراك ودعمه والمشاركة في قيادته، ويأخذون عليه عدم ترجمة ما قاله من تقدير وتفهّم لأسباب الحراك ودوافعه بالانخراط فيه، بل بتغليب موقف التحفظ والحذر من الأفق الذي يرسمه الغموض في قيادة الحراك الفعلية، رغم طمأنة حدادة بأن كل شيء سيكون تحت السيطرة، لأن الفقراء في الشارع والمدافعين عن حقوقهم هم الذين سيحصنون الحراك كما حصنوا ويحصنون المقاومة .

Read more: مناقشة هادئة لخطاب خالد حدادة الغاضب: ناصر قنديل

تميزت مجادلات القيّمين على الحراك والمدافعين عنه مع موقف حزب الله بنفي وإنكار وجود أي أساس لمخاوف حزب الله من التوظيف الخارجي للحراك الشعبي، لحساب مشروع تؤثر في رسم توجهاته القوى التي تستهدف المقاومة. وسجل الكثير من المستنكرين لهذه المخاوف مواقف وطنية عالية وصلت حد القول إن حماية المقاومة هي أولوية عند الحراك الشعبي، وأن لا مبرر لقلق يتحدّث عنه حزب الله في هذا الاتجاه. وزاد الكلام عن الرغبة باستعادة دعم حزب الله للحراك تعبيراً عن إدراك ظاهر للحاجة لتوحيد الجهود مع الجهة التي مثلت القوة النظيفة المضحّية في مواجهة المخاطر على لبنان، سواء من الاحتلال والعدوان أو من الإرهاب، والتي لا يمكن إتهامها بمحاصصة مصالح في السلطة المتهمة بالفساد وتقاسم عائداته.

Read more: الموقفان الأميركي والأممي والحراك ومسؤولياته: ناصر قنديل

سيأتي الجواب سريعاً من البعض على هذا السؤال بأن الشعب الذي انفجر غضباً على حكامه لشدّة وقسوة ما يعاني من بطالة وفقر وغياب للخدمات، وعلى ما يشهد من فساد ومحاصصات واستهتار بمطالبه، أطلق الدعوة لسقوط الحكام بلا تمييز ومنها شعار كلن يعني كلن ، ولكن هذا الجواب ينفي الدعوة لحكومة إنقاذ، في معرض السعي لتفسيره، لأن سقوط الجميع كان ولا يزال يتردد عفوياً على ألسنة الكثيرين، رغم كونه عدمياً ولا يقدم حلاً. وهذا طبيعي في مناخ انتفاضة شعبية، لكن التدخل السياسي لتلبيس المناخ شعاراً مدروساً يأتي من مكان آخر، والشعار الذي يتحوّل تدريجياً إلى شعار رسمي للحراك مختلف وهو تشكيل حكومة إنقاذ. وهذا هو دور النخب التي تقود الحراك فعلياً. وهو الدور الذي فشلت في أدائه بالتوازي والتنافس النخب التي تدّعي وصلاً بالمقاومة وبالحرص على الخلاص من الفساد ونظام الطائفية والمحاصصة، في مقابل أصحاب شعار حكومة الإنقاذ، فلجأت إلى تبني الشعار وترويجه دفاعاً عن عجزها وضعف وسائل تأثيرها في الساحات. فهي لا تملك الإعلام العملاق الذي يملكه المنافسون، ولا جمعيات ومنظمات غير حكومية بالعشرات، ولا يسير وراءها مؤيدون بالمئات من الناشطين بين الناس، ولا تتلقى تمويلاً يتيح لها بناء ما يوازي ذلك، وكان رهانها أن تقيم التوازن مع هؤلاء الذين تعرفهم وتنكر وجودهم ودورهم وتأثيرهم ومشروعهم، من خلال الاستثمار على وزن المقاومة كشريك في الحراك، والرهان على أن المقاومة لا تملك امتدادات عابرة للطوائف ولا خطاباً اجتماعياً يستند للخبرة التي يملكها متخرجو الأحزاب اليسارية، فيصيرون هم رموز حضورها والتوازن الذي تقيمه ويفرضه وجودها، وهذا ما يفسّر غضب هؤلاء من إعلان المقاومة قرارها بالانسحاب.

Read more: مَن وضع للحراك شعار «حكومة إنقاذ»؟: ناصر قنديل