Get Adobe Flash player

يحاول السفير الأميركي السابق في بيروت وجيفري فيلتمان، كما العادة، صياغة خطاب جماعته الذين صاروا أيتامه منذ تكسّرت رماح الحملات الأميركيّة لتغيير توازنات المنطقة منذ حرب تموز 2006 وما تلاها من وقائع الحرب على سورية. فهو تدخل في الخريف ليخفض سقف توقعاتهم من القدرة على توظيف الانتفاضة ورسم لهم سقفاً عنوانه، لا نستطيع تحويل الانتفاضة إلى معركة ضد سلاح حزب الله فلنجعلها بوجه العهد والتيار الوطني الحر، كحليف لحزب الله، ونستهدف شعبيتهما لإضعافها تمهيداً للانتخابات المقبلة.

Read more: أيتام فيلتمان تائهون حيث التطمينات لا تفيد: ناصر قنديل

يقف الناس بذهول أمام الكمّ الهائل للمنشورات والتقارير والتحليلات والأخبار، التي تتحدّث عن مجموعة من المتناقضات التي لا تجتمع في نص واحد، ولكنها تصب جميعاً في مجرى نهائي، عنوانه أن الحلف الروسي الإيراني السوري يتفكك، وأن مصير سورية ورئيسها على طاولة التفاوض بين حلفائها وخصومها، وأن الأمر بين التقاسم والتقسيم بات محسوماً، وأن اليد العليا عادت في سورية لما تقرره واشنطن وتل أبيب، وأن كل يحدث بما في ذلك مَن يقف وراءه «أبطال» تافهون هو بعض من السياقات التي ستنتهي في هذا القدر المرسوم لسورية. وكل حدث بما فيه ما يعبّر عن حال عدو مهزوم، هو استعداد للنهوض، وكل سلوك مأزوم في حلف الهزيمة هو جزء من خطة تضليل، وأن كل الوقائع التي تقولها الجغرافيا وقد كتب عبرها التاريخ الحديث للمنطقة والعالم ليست إلا أوهاماً مصيرها الزوال.

Read more: آخر تطبيقات نظريّة غوبلز في الحرب على سورية التاريخ يُعاد مرتين: الأولى مأساة والثانية مهزلة:...

كل القضايا المهمة التي تناولها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، سواء في ملف الأزمة الاقتصادية المالية وخطة الحكومة، أو في مواجهة الغلاء، أو في توضيحاته حول قطاعَي المصارف والصرافين، ما كانت لتكون، لو لم يكن لدى السيد نصرالله، ما وصفه بغياب مناخ تصادميّ يضع أولوية إسقاط الحكومة على جدول أعمال معارضيها، ما يتيح وفقاً لكلام السيد منح الفرصة إن لم يكن التعاون ممكناً، ولو كان مرغوباً ومطلوباً، ولولا هذا التقدير لما بلغ الأمر بالسيد نصرالله أن يعرض استعداد الحزب للعب دور المسهّل والميسّر لعلاقات التوتر بين الأطراف والزعامات، نافياً بين سطور كلامه، اتهام الرئيس سعد الحريري للحزب بدعم رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل في وجه الحريري. ووفقاً للسيد فإن الدول قد لا تملك المناخ ولا الإمكانات لتساعد لبنان، إن أرادت، وهي حكماً لا تملك مثلها لتصديعه وتفخيخه ثم تفجيره إن أرادت. والأهم أن القول بأن الجميع منشغل بتداعيات كورونا وانخفاض أسعار النفط، هو الأصح، وليس ما أوحت به بعض المواقف التي تزامنت مع جولات السفيرة الأميركية، وبنيت عليها استنتاجات وتحليلات تتحدث عن دنو ساعة التصادم الكبير، الدولي الإقليمي المحلي، مع حماية الغالبية النيابية وفي طليعتها حزب الله، لحكومة الرئيس حسان دياب.

Read more: نصرالله : لا مناخ تصادميّاً في البلد: ناصر قنديل

 

خلال خمس عشرة سنة منذ اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، والرئيس سعد الحريري كوريث سياسي ومالي لمملكة والده يصارع معادلة التنقل بين السعي للتحوّل إلى الرقم الصعب في المعادلات ومخاطر التحوّل إلى الخاصرة الرخوة فيها، وهو يتعلم من «كيسه» كما يُقال، يخاطر ويغامر ويعقد التسويات ويخرج منها، ويخوض المواجهات وينسحب في نصفها، ولا يكاد يراكم الأرباح حتى يخسرها بضربة واحدة ومعها بعض رأس المال. وهو يدرك اليوم أنّه ليس حصان تسوية كالتي ظنّ أنها ستعيد إنتاج زعامته من بوابة السلطة، ولا هو زعيم المواجهة التي اعتقد أنها ستعيد بناء شعبيته المتآكلة بفعل وجوده في السلطة، فقفز من قارب التسوية من دون إنذار مسبق للشركاء الذين خسر ثقتهم، من دون أن يربح مكانة في انتفاضة 17 تشرين ظن أن الاستقالة ستكون بوابتها، ولم ينفعه في رسم خريطة طريق للعودة إلى المعادلة السياسية على حصان أبيض، كما توقع ومعه الكثيرون، تقيّده بوصفة جيفري فيلتمان حول الانتفاضة وإدارة العلاقة معها، بتجنب تحويلها إلى معركة بوجه حزب الله، والدعوة لحصرها بوجه الحليف المشترك للحريري والحزب، أي التيار الوطني الحر ورئيسه الوزير جبران باسيل. وهو اليوم يعيد الوقوف في النقطة الأصليّة ذاتها، السعي للتحول إلى رقم صعب والقلق من التحوّل إلى خاصرة رخوة، لكن برأسمال أقلّ وظروف أصعب ومخاطر أعلى.

Read more: الحريري: الرقم الصعب أو الخاصرة الرخوة؟: ناصر قنديل

تتابع الحكومة الفرنسيّة الوضع في لبنان على مستويات عدة، سياسياً ودبلوماسياً ومالياً وأمنياً، بحيث توجد على الأقل أربع أو خمس دوائر مركزيّة في السلطات الفرنسية تضع الملف اللبناني على طاولة المسؤول الأول فيها، وذلك يعود حسب تقارير فرنسية موثقة وضعت بتصرف كبار المسؤولين الفرنسيين، إلى متغيرات جوهرية أحاطت بالأزمة المالية في لبنان بضوء ما ترتب على سياسات الدول تحت تأثير مرحلة ما بعد كورونا، والتي تتسم بصورة رئيسية بسياسات الانكفاء السياسي والعسكري من جهة، والركود الاقتصادي وتراجع المقدرات والإمكانات من جهة مقابلة. وبنتيجة ذلك تتوقع التقارير تطورات متسارعة نحو الانسحاب الأميركي من سورية، وسعياً تركياً متسارعاً للتخفف من أعباء الوجود في سورية، وفيما يبدو المسار الأميركي أسهل بفتح قنوات التفاوض بين الحكومة السورية والمجموعات الكردية التي ترعاها واشنطن، بوساطة روسية، يبدو التفاوض السوري مع جماعات الأخوان المسلمين مستحيلاً بعدما ثبت أن القبول بالتفاوض مع جبهة النصرة مغلق برفض سوري يحظى بتأييد روسي إيراني. وهنا تبدأ الخشية الفرنسية من خطة شبيهة لإجلاء المسلحين السوريين التابعين لتركيا نحو ليبيا، بمحاولة دفعهم مع عائلاتهم للتسلل بحراً نحو شمال لبنان.

Read more: ما هو مصدر القلق الفرنسيّ من تطورات خطيرة؟: ناصر قنديل