Get Adobe Flash player

منذ جاء المهاجرون الأوائل إلى القارة الأميركيّة وهم يحملون ثنائية ثقافية قوامها عرض شراء الأرض بالذهب وفرض إجلائها بالدم إذا تعذر الشراء. وبهذه الثنائية سيطر المهاجرون تجار الذهب على ما صنعوا له فلسفة أسموها أرض الميعاد على حساب وجود وتراث السكان الأصليين. وجاءت النتيجة واضحة تدمير كل ما يتصل بالسكان الأصليّين، وبناء مجمّعات سكنية لما تبقى منهم في المناطق التي لا تتمتع بقيمة عقارية أو بأهمية عسكرية.

Read more: صفقة القرن ثقافة راسخة وليست نزوة عابرة: ناصر قنديل

عانى لبنان خلال قرن كامل من أولوية الخيارات الإقليمية والخارجية على الخيارات والشؤون الداخلية في رسم الاصطفاف السياسي، بخلاف كل دول العالم التي توحّدها رؤية مشتركة في المفاصل الكبرى لرسم المصالح الوطنية تحتوي اصطفافات داخلية في مواقع متباينة؛ بينما لبنان منذ انقسام اللبنانيين حول الانضمام لدولة الملك فيصل في دمشق، كما قالت مؤتمرات الساحل، أو الاحتفال بلبنان الكبير كما كان خيار زعماء جبل لبنان، منقسم حول الخيارات الإقليمية، بين الدخول في حلف بغداد أو الوقوف مع جمال عبد الناصر، وبين الوقوف مع المقاومة الفلسطينية أو اعتبارها خطراً على السيادة اللبنانية، حتى عندما وقع الاحتلال الإسرائيلي انقسم حوله اللبنانيون، وخلال مسيرة المقاومة تواصل الانقسام ولو تغيّرت الشعارات، وبعد التحرير تغيّرت مرة أخرى الشعارات وتعمق الانقسام، وبقي لبنان عندما ينتصر يشعر بعض الداخل بمرارة الهزيمة، وعندما يسقط صريعاً يشعر بعض الداخل بنشوة النصر، ودائماً كانت القضايا التي تتشكّل منها السياسة في أي بلد تصير ثانوية في لبنان بسبب هذا التشوّه البنيويّ.

Read more: فرصة صفقة القرن لوحدة اللبنانيين: ناصر قنديل

مشهد جلسة الموازنة يوم أمس، أبعد بإشاراته من الجدل حول دستورية الجلسة أو حول مضمون الموازنة. فالمشهد يحمل رموزاً وإشارات تاريخيّة المعنى، لجهة ما يُسمّى بأفول السياسة وعجزها في علم الاجتماع السياسي. ففي الجانب الأول من الصورة لا أحد من المشاركين في الجلسة من المؤيدين والمعارضين، قدّم موقفه بصفته خياراً منطلقاً من رؤيته الإيجابية، أو من موقع أنه يملك حلولاً للأزمات، أو بفذلكة موقفه كتعبير عن قناعة يعتدّ بها ويدافع عنها بكل فخر، فبدا الكل كالعروس المقهورة يوم عرسها، تقول «ببكي وبروح». والكل في الجلسة يرتكب ما يراه معصية، ولكنه يرى أن البديل «معصية بفضيحة مجلجلة». الذين أيّدوا الموازنة فعلوا ذلك لأنها أفضل من لا موازنة، والذين شاركوا بتأمين النصاب وعارضوا الموازنة أو امتنعوا عن التصويت برروا ذلك، بتفادي الفراغ، والذين غابوا ورفضوا الحضور لم يكن لديهم خطاب بالأصل للقول إنهم يغيبون لأن بديلهم هو…، وتبقى هو بلا تتمة. والحكومة التي حضرت تدرك أنها ليست موازنتها ولكنها لا تملك بديلاً أفضل من الحضور وتمرير الاستحقاق. والأنكى كان حال «الثورة» التي فقدت شعبيتها وحشودها بثلاثين يوماً، فيما احتاج السياسيون ثلاثين عاماً ليفقدوا وهج الناس وبريق التفافهم، ومثل السياسيين، لم يبقَ من الثورة إلا نواتها وعصبها، فبدت هزيلة بذيئة كئيبة، لأنها أخذت قوتها من ناس لم تكن أمينة على التعامل برفق ومسؤولية مع تفويضهم، واستعجلت لإسقاط أحقادها ومشاريع غيرها على غضب الناس، فلما طلع عليهم الصبح واكتشفوا الخديعة عادوا إلى بيوتهم.

Read more: الإفلاس الفكريّ والسياسيّ أخطر من الإفلاس الاقتصاديّ والماليّ: ناصر قنديل

  أمام الصخب والضجيج الذي نسمعه عن مخاطر صفقة القرن واعتبارها تحوّلاً مفصلياً نحو تصفية القضية الفلسطينية، نحاول التدقيق في الإجابة على سؤال، هل سيغيّر الإعلان الأميركي عن منح كيان الاحتلال التصديق على اغتصاب فلسطين والقدس وإسقاط حق العودة للاجئين في الوضع القانوني الدولي لهذه الركائز التي تتكوّن منها القضية الفلسطينية. فنسأل هل سيغيّر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب من موازين القوى السياسية والعسكرية بصورة تتيح لكيان الاحتلال سحق إرادة الشعب الفلسطيني بالقوة وفرض قبول هذا الذل والاستسلام؟ ثم نسأل هل يوجد أي احتمال لإمكانية قبول سياسي وشعبي بالعرض الأميركي يمنح مشروعية للصفقة لتصير صفقة، سواء في السلطة الفلسطينية أو خارجها، هل يوجد مَن هو قادر على قبول مقايضة الهوية والقضية بالمال واتحاد بلديات، مقابل سوبر دولة لكيان الاحتلال، ومنح هذا القبول نسبة وازنة من الشرعية الشعبية والسياسية والحماية لفرضها كأمر واقع؟

Read more: فوائد صفقة القرن
أكثر من أضرارها: ناصر قنديل

يدور نقاش حول جلسة اليوم لمناقشة الموازنة قبل نيل الحكومة الثقة، والأمر بسيط. فحق للحكومة الجديدة أن تطلب إرجاء الجلسة إذا رغبت لما بعد نيلها الثقة، واسترداد الموازنة لتعديلها وإعادة إرسالها، وهو حلّ يعطي الحكومة شكلاً صورة التمسّك بصلاحياتها، لكنه يعني تأخيراً للموازنة لأربعة شهور على الأقل والتقدم باقتراح قانون للإنفاق على القاعدة الإثني عشرية، وما يعنيه من فوارق عمّا تضمّنته الموازنة، وتحمل تبعات ذلك، ومعه تحمل البقاء من دون موازنة، فيما يشكل وجود موازنة مصدق عليها من مجلس النواب إحدى أوراق قوة الحكومة في التفاوض الخارجي مالياً، وهي موازنة في جوهرها بلا نفقات تقريباً، وبلا ضرائب جديدة، ووارداتها معلقة على الوقائع التي لا تتنبأ بها أي تقديرات مع الجمود والركود، لذلك يعرف المنتقدون أن الجلسة في مكانها ما لم تتلقّ رئاسة مجلس النواب طلباً حكومياً مخالفاً، طالما أن الدعوة لعقدها صدرت قبل صدور مراسيم الحكومة الجديدة.

Read more: لا لصندوق النقد الدولي
 بالخط العريض: ناصر قنديل