Get Adobe Flash player

تقول الوقائع اللبنانية الراهنة ببساطة شديدة إن من حفر حفرة لأخيه تحت عنوان الطائفية وقع فيها في عنوان آخر، فتسعير الخطاب الطائفي والحديث عن أولويّة الحقوق الطائفية، طمعاً بوظائف للمحازبين ومقابلها التلويح بعصبية موازية بخلفية طمع موازٍ، خلق جمهوراً مستنفراً يسهل أن تلعب به المصالح مرة والغرائز مرات ليقف تحت شعار «أن الطائفة لن تتقبل أن تطمر عندها نفايات طائفة أخرى». والحقيقة التي لا يريد أن يدركها السياسيون هي أنه لا يمكن معالجة مشاكل البلد إلا بصفته بلداً موحداً، لا يتحمل حجمه الجغرافي والاقتصادي والسكاني أكلاف حلول لكل مشاكله تنضبط بالإيقاع الطائفي، فهل سنسمع غداً بالدعوة لربط القروض الممنوحة للقطاعات الاقتصادية بقواعد التوزيع الطائفي، أو بربط النجاح في المدارس والامتحانات الرسمية والجامعات بهذه القواعد الطائفية. وبقدر ما يبدو الأمر نوعاً من السخرية هو في الواقع كشف لحقيقة وجوهر الحديث عن حقوق الطوائف الذي ظهرت نتيجته في ملف النفايات.

Read more: الخطاب الطائفي وأزمة النفايات: ناصر قنديل

 

في الرابع عشر من آب 2006 تحقق عظيم الإنجاز بما يقارب الإعجاز في نصر تاريخي هزم أعتى قوة يعتمد عليها الغرب في فرض سياساته على الشرق، وبزغ فجر حركات المقاومة لتعيد كتابة التاريخ وترسم حدود الجغرافيا باسم الشعوب التي غيّبت طويلاً عن قضاياها المركزية، حيث ترجمت المقاومة التي احتفلت بانتصارها كل شعوب المنطقة إرادة هذه الشعوب في تعبير نوعي عن مفهوم الديمقراطية والإرادة الشعبية. بالتوازي سقطت أحلام وتهاوت أبراج من الأوهام، حيث كل ما سيهدد به الغرب لاحقاً هو ما سبق وما فعله سابقاً، وكانت حرب تموز البديل الذي راهن عليه لاستعادة ماء وجهه بعد حربين فاشلتين في أفغانستان والعراق، لتشكيل شرقه الأوسط الجديد كما بات ما لا يحتاج دليلاً ولا برهاناً، وأصيبت «إسرائيل» في روحها، حيث لن تنفعها بعد ذلك لا قبب حديدية وفولاذية ولا خطط ترميم لقوة الردع ولا استعادة العافية لجبهة داخلية أصيبت بمرض عضال لا شفاء منه، وخرج الشعب في مسيراته المهيبة فجر الرابع عشر من آب يكلل النصر بالمزيد من التضحيات حاضناً مقاومته وفارضاً تفسيره للقرار الأممي 1701، وخرج الجيش اللبناني المتوّج بالثلاثية الذهبية مع شعب ومقاومة لا ينازعانه الحضور العلني لعروض القوة، كأقوى جيوش المنطقة بهذين الرديفين، لا تعوزه المساعدات ولا الرعاية الأميركية الهادفة لتجريده من أقوى ما عنده، وهو الثلاثية المقدسة التي أكدها النصر.

Read more: 14 آب ليس يوماً مضى بل صيرورة مستمرة... والمطلوب؟: ناصر قنديل

ليست أول مرة تدخل فيها السفارات بإشارة بدء من السفارة الأميركية، في شأن داخلي خلافي لتقديم الدعم السياسي لفريق محلي تعلن تبنيه بين سطور بيان السفارة الأميركية، وصولاً للتمادي في توجيه الرسائل للقضاء وللعب على حبل التوازنات الطائفية والسياسية، لكن كم من مرة وصل الذين دعمتهم السفارة الأميركية ومن يسير على دربها من الغرب والعرب إلى تحقيق مكاسب؟ وماذا يقول التاريخ عن مصير الذين وقعوا في أوهام التفوق بقوة هذه التدخلات، وآخر هذه التدخلات كان التحريض على شبكة اتصالات المقاومة التي أوهمت أعضاء حكومة الرئيس فؤاد السنيورة أنهم ليسوا وحدهم إذا شمّروا عن سواعدهم وهاجموا هذه الشبكة بنية اقتلاعها، والنتيجة معلومة عند الجميع، خصوصاً النائب السابق وليد جنبلاط الذي شكل رأس الحربة في حرب حكومة السنيورة على المقاومة يومها، بقوة وهم ما يعنيه تدخّل السفارة.

Read more: تدخُّل السفارات ليس مفخرة... ومن يتعظ يعلم: ناصر قنديل

من المفيد التذكير أن معركة حلب التي أرست قواعد توازنات جديدة في المنطقة لا تزال آثارها حاضرة، قد رافقتها أشدّ الأزمات اللبنانية توتراً تحت عنوان الانتخابات الرئاسية، ولم تكد المعركة تتكشف عن نهاياتها العسكرية، حتى انجلى الغبار الرئاسي في لبنان عن الحل، ففي الفترة الفاصلة بين ولادة داعش صيف 2014 وبداية الحسم العسكري في سورية انطلاقاً من حلب التي حسمت في خريف 2016 كان هناك عنوان وحيد في المنطقة هو معركة حلب. ففي حلب كان الثقل التركي ومقابله جاء الثقل الروسي ودار ما دار بينهما، من إسقاط الطائرة الروسية وصولاً للانضواء التركي في حلف أستانة. وفي حلب كانت المواجهة الأميركية الإيرانية التي كان ظاهرها على طاولة التفاوض على الملف النووي الإيراني، والذي كان التوقيع على الاتفاق حوله بعضاً من أثمان افتراضية أميركية للانسحاب الإيراني من معركة حلب، وجاء الانسحاب الأميركي من الاتفاق رداً بنسبة كبيرة على تمسك إيران بدورها الإقليمي الذي كانت معركة حلب بداية تجليّاته الساطعة. وفي لبنان لم يكن مجرد صدفة أن تمتد أزمة التجاذب والفراغ في الرئاسة اللبنانية في الفترة نفسها، من صيف العام 2014 حتى خريف العام 2016

Read more: عشيّة معركة حلب وعشيّة معركة إدلب... لبنان على حاله: ناصر قنديل

ليست القضية في مدى دقة الاتهامات التي وجّهها الحزب التقدمي الاشتراكي للعهد ووزرائه ولرئيس مجلس القضاء الأعلى، في تركيب ملفات والتلاعب بالمسار القضائي، والحديث يدور عن اتصالات عرف بها الاشتراكي وعرف بمضمونها ولا أحد يعرف كيف، وما هي الإثباتات التي يملكها، وما دام القاضي الذي يعتبره نزيهاً يواجه الضغوط هو من أعدّ القرار الاتهامي فلماذا الحملة على القرار إذن، وليست القضية ايضاً في التحقيقات التي أجراها فرع المعلومات والقراءة التي قدّمها الاشتراكي في مضمونها، ومدى صدقية هذه القراءة بالقياس لنصوص التحقيقات نفسها وما ورد فيها كما عرضتها محطات تلفزيونية صديقة للاشتراكي، وطالتها بعض سهامه، لأن القضية هي أن الاشتراكي أراد قلب الطاولة. فلماذا يفعل ذلك وما هي حساباته؟

Read more: أبعد من السجال... إلى أين؟: ناصر قنديل