Get Adobe Flash player

كل القضايا التي تتولاها الدولة وتتحمّل مسؤوليتها، وكل العناوين التي يفترض أن ترسم سياستها، وكل المواقف التي يفترض أن تتولى صياغتها، مطروحة في التداول للنقاش العام، من الذين يفترض أنهم رجال الدولة وقادتها ومن يتولّون المسؤوليات فيها، يطرحون أفكارهم وآراءهم ومواقفهم وتقديراتهم في المنابر الإعلامية، وكأن لا وجود لهم في مؤسسات دولة، يفترض أن تشكل وحدها المكان الطبيعي لنقاش مواقفهم وأفكارهم وطروحاتهم، ويخاطب كل منهم شارعه الطائفي، فيحرّضه طائفياً ويستنفره غريزياً، ويثبت جدارته بأن يكون البطل الطائفي، ومكان البطولات الذي يبدأ بالمنابر ينتهي بالمتاريس، كأننا عشية حرب أهلية تبدأ باردة وتنتظر ظرفاً مناسباً لتسخن، بدلاً من أن يتولّى كل منهم مخاطبة شركائه في المسؤولية الدستورية لصياغة المشتركات وتحويلها سياسات. وفي القضايا التي تستدعي حسماً يعتمد التصويت فيرتضي الخاسر الصمت والالتزام بما قررته الأغلبية، كأننا في سوق الأحد، وليس في دولة، الكل يصرخ، ولا أحد يستمع لأحد، كأن ليس هناك مجلس الوزراء يجمعهم ويفترض أن يتسع لخلافاتهم ويظهر اتفاقاتهم

Read more: أين تُصاغ سياسة الدولة في مجلس الوزراء أم في الشارع؟: ناصر قنديل

يظنّ قادة الطائفيات المختلفة بإمكانية الجمع بين مخاطبة أبناء «الجماعة الطائفية» بلغة «الدفاع عن الوجود والحقوق»، وبالتوازي مخاطبة الجماعات الأخرى بلغة المصلحة المشتركة والعيش المشترك والنموذج اللبناني المتنوّع والمتعدّد، ولبنان الرسالة، ومشروع بناء دولة القانون، والدعوة للإصلاح والاعتدال ونبذ التعصب والتطرف ومكافحة الإرهاب والفساد ومشاريع التقسيم والتوطين، ويمضون في ممارسة هذا الازدواج ظناً منهم بطاقته على الاستيعاب واحتواء نتائج هذا التناقض دون تهديد وجودي ومصيري للبنان. كما يمضون في هذه اللعبة الخطرة وهم يتوهمون أنه لا زال ممكناً لانتصاراتهم على بعض، مهما كانت وظيفية وتكتيكية وسلطوية، أن تتساكن مع بقاء الاستقرار في لبنان، وإمكانية تحقيق الازدهار لاقتصاده، والوحدة لمؤسساته

Read more: "الطائفيات اللبنانية" على مفترق طرق حاسم 2: ناصر قنديل

تزدحم في نهاية هذا الشهر الاستحقاقات، وطبيعي أن اقترابها يعني تصعيد التسخين في المنطقة استعداداً للمواجهة أو للتفاوض، ويشكل الاستحقاق الأول نهاية المهلة التي حددتها إيران بستين يوماً للإعلان عن خروجها من التفاهم على ملفها النووي، يصير بعدها السعي لإعادة إيران للتفاهم أشدّ تعقيداً، ويصير وجودها خارج التفاهم بحد ذاته تصعيداً ومساراً مفتوحاً للتصعيد، ولا يمكن قراءة أي تطوّر في المنطقة أو استحقاق تفاوضيّ بعيداً عن مضمون ما يقدّمه من إجابة على السؤال الرئيسيّ الذي تطرحه مهلة الستين يوماً لإقناع إيران بتمديد المهلة إذا تعذّر إقناعها بالبقاء تحت مظلة التفاهم، والإقناع هنا ليس لغوياً ولا عقلياً، بل هو إقناع بلغة المصالح وتقديم العروض، التي تلبي لإيران الحد الأدنى من متطلباتها المستحقة بموجب التفاهم، والتي يعترف بها الشركاء المتمسّكون بالتفاهم في روسيا والصين وأوروبا، لكنهم وخصوصاً أوروبا، يعتذرون عن توفير متطلبات إيران بسبب العقوبات الأميركية. وهذا يعني أن أي عروض ستتلقاها إيران هي عروض أميركية بلسان أوروبي وضمانة روسية صينية

Read more: شهر حاسم في كل الملفات: حلول تفاوضيّة شاملة أم مواجهة شاملة؟: ناصر قنديل

لم يسبق في تاريخ لبنان السياسيّ منذ الاستقلال أن تزامن حضور التيارات الأقوى في طوائفها في تولّي المناصب الدستوريّة الأولى في الدولة، وكانت قوة النظام الطائفي لا تأتي من المكاسب التي يحققها الفريق الطائفي الموجود في السلطة لـ «جماعته» الطائفية، كما هو الاعتقاد السائد، بل من وجود طائفيّة كامنة تعتاش على الشعور بالخوف الوجودي والغبن الخدميّ والوظيفيّ، يزرعه قادتها بين صفوف «جماعتهم» الطائفية، ويشكل الحلقة المقبلة من مسلسل تناوب الطائفيات اللبنانية، على السلطة من جهة وصفة المغبون والخائف من جهة موازية. فإذا أمكن الحديث عن مرحلتين بارزتين في التاريخ المعاصر للبنان، يمكن القول إن ما قبل الطائف كان زمن التحفز والاستعداد للطائفيات الإسلامية التي صنعت لـ «جماعتها» ثقافة الغبن والخوف، مقابل تسلم «الطائفية المسيحية لمقاليد الحكم دون أن تدخل «جماعتها» جنة النعيم، فيكفي النظر لما لاقاه المسيحيون من تهجير في الحروب المتعددة الدفاع عن الوجود، وأمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار، وما تعرضوا له من مخاطرة بمكانتهم الوطنية في مرحلة الاحتلال الإسرائيلي، بذريعة صد المخاطر ولو مددنا يدنا للشيطان، لمعرفة أن قوة الطائفية في لبنان لا تأتي من نجاح الطائفية الحاكمة في توفير الخير لـ «جماعتها»، وتعميم المغانم عليها، بل من التحفز الذي تعيشه الطائفية الكامنة التي تتغذى من الخوف والغبن

Read more: "الطائفيّات اللبنانية" على مفترق طرق حاسم: ناصر قنديل

التسوية صعبة بين أميركا وإيران إلى حد الاستحالة، ليس بسبب السقوف العالية للخطابات المتبادلة، أو الشروط المتقابلة، بل لأن القضايا الحقيقيّة للصراع يصعب إيجاد تسويات فيها تمنح الفريقين المتقابلين صفة رابح ورابح، وفي قلب هذه القضايا مستقبل «إسرائيل» وأمنها، وقد بلغ المأزق الذي تعيشه «إسرائيل» مدىً يجعلها عاجزة عن تحمل تبعات أي تسوية بالمطلق تضم طهران وواشنطن لا تلتزم فيها إيران بوقف دعمها لحركات المقاومة، وتمنح «إسرائيل» عناصر أمن واطمئنان تفتقدها، وهو ما قصده وزير خارجية عمان بعد لقائه برئيس حكومة الاحتلال بأن «إسرائيل» تحتاج أن نطمئنها إلى أمنها ومستقبلها. والقصد بالـ «نحن» ليس حكام الخليج، بل طهران، وفي هذا الشأن المسألة أكبر من التسوية مع إيران فقوى المقاومة في المنطقة نمت وكبرت وتعاظمت قدراتها وثقتها بنفسها وباتت تفرض معادلات قوة وردع يصعب بل يستحيل كسرها. وبنسبة لا تقل عن «إسرائيل» يعاني حكام الخليج من تداعيات سقوط مهابتهم أمام قوى محلية يتقدمها أنصار الله في اليمن، في معادلة تتصاعد وتكبر ويصعب فيها التراجع إلى الخلف

Read more: معادلات الصراع والتفاوض بين طهران وواشنطن: ناصر قنديل