Get Adobe Flash player

في الظاهر تبدو الأحداث الجارية شمال سورية مأزقاً كردياً خالصاً، ويبدو الرئيس التركي رجب أردوغان وقد ربح رهانه بالانسحاب الأميركي وفتح الطريق لعمليته العسكرية. بينما في الواقع، مأزق الأكراد الحقيقي لا يحجب مأزق تركيا ورئيسها. فالمنطقة التي ستشكل مسرح معركة متعددة الأطراف في شمال شرق سورية، تختزن مجموعة من العناوين، أولها النفط وثانيها بقايا داعش وثالثها التعدّد العرقي وأهمها هويتها السورية. وإذا كان من الطبيعي أن يواجه الأكراد مأزق رهانهم الخاسر على الأميركي، وعجزهم عن مواجهة الغزو التركي منفردين، فإن الأتراك سيواجهون أسئلة لا يستطيعون تحاشي ما سيترتّب على كل جواب حولها: فهل سيستبدلون كانتوناً كردياً بكانتون لجماعات مسلحة يديرونها على طريقة جماعة أنطون لحد في جنوب لبنان قبل تحريره؟ وهل سيستبدلون نهب القيادات الكردية للنفط السوري بنهبهم هم وجماعاتهم لهذا النفط؟ وهل سيستطيعون هم وجماعاتهم حل مشكلة تفلت جماعات داعش الذين سيلجأ قادة الأكراد إلى إطلاقهم وابتزاز العالم الذي باعهم بجعله يواجه خطر اسمه عودة داعش، ولداعش مع تركيا تاريخ معلوم، كتاريخ تركيا وجبهة النصرة الذي لا يزال يلاحقها ويستنزف مكانتها ومهابتها ودورها في إدلب.

Read more: تركيا والأكراد معاً في عنق زجاجة: ناصر قنديل

تحت هذا العنوان وردت نصيحة ورشة عمل دراسية أميركية، موجهة للرئيس الأميركي وإدارته للتوقف عن الضغوط التي بلغت مرحلة شديدة القسوة على أسواق لبنان وسورية والعراق، مع تقييد شركات نقل الأموال النقدية بشروط قاسية للسماح بإيصال البنكنوت الأميركي النقدي إلى هذه الأسواق، ما أنتج أزمة كبيرة بدأت تهدد سعر صرف العملة، وبالتالي تمهد لحالات من الفوضى الشعبية والغضب في الشارع. وجوهر الدراسة يقوم على الاعتقاد بأن القوى المناوئة لواشنطن في إيران والعراق وسورية ولبنان تربطها علاقات وثيقة، وأثبتت قدرتها على السيطرة على الجغرافيا الميدانية لهذه الدول، وأن العراق الغني بالنفط سيشكل فرصة هذه القوى للتملص من الضغوط الأميركية، مستذكرة تملص العراق من عقوبات النفط مقابل الغذاء وسوق البونات التي أنشأها النظام السابق عبر مئات الزوراق التي كانت تحمل النفط من البصرة وتبيعه في دبي، لتقول إن الأمر لن يحتاج شيئاً مشابهاً هذه المرة. فتمويل الدولة السورية من عائدات بيع البنزين، ومثله تمويل حزب الله، والحشد الشعبي، سيتحقق بضخ كميات من النفط العراقي العام عبر الأنابيب والصهاريج، وتكريره في سورية، وربما يتم جلب المشتقات التي تكرّرها إيران وتحقق فيها فائضاً عن حاجتها، وتسيّلها بالعملات المحلية للعراق وسورية ولبنان بدلاً من تحويلات بالدولار كانت تؤمنها إيران لحلفائها.

Read more: كي لا تصبح لبنان وسورية والعراق وإيران سوقاً واحدة!: ناصر قنديل

عندما نحيي ذكرى حرب تشرين 1973، فذلك ليس لمجرد كونها مناسبة وطنية وقومية كبرى، بل لأنها بالنسبة للذين يؤمنون أن مستقبل منطقتنا ودولنا ومشاريع الاستقلال والتنمية فيها، وكذلك مستقبل شعوبنا ومستوى حريتها وتقدّمها، تجري كلها على إيقاع مستوى التقدّم في الصراع مع المشروع الصهيوني، الذي يمثل رأس حربة مشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة. والمعادلة واضحة من مجرد قراءة حال مصر منذ نشأة الكيان الغاصب، فعندما تريد مصر بناء دولة الاستقلال والتنمية، كما كان حالها مع جمال عبد الناصر، تكون عرضة للحروب والعدوان، حتى تسقط، فتسقط في الحقيبة السعودية والحظيرة الأميركية، وتكتشف أنها استُرهنت بأوهام الرخاء والرفاه فغرقت في الجوع والفقر والديون، وصارت مياهها مسترهنة، وزراعتها وصناعتها تذبلان، والبطالة والهجرة تنهشان شبابها. بينما بالمقابل الخط البياني لحال سورية، يقول حتى تاريخ الحرب التي شنت عليها، أن الاستقلال والنمو توأمان، وأن الموقع من الصراع مع كيان الاحتلال بوصلة شاملة لقراءة مسار كل الأزمات.

Read more: الجولان مفتاح الحرب... والعلاقة المصريّة السوريّة بيضة القبان: ناصر قنديل

لا نريد هنا مناقشة اسباب الانسحاب الأميركي من سورية سواء الجزئي أو المتدرج أو الشامل، فهو استحقاق مؤجل منذ معركة تحرير حلب، وسقوط أي فرصة لتعديل موازين القوى العسكرية بوجه الدولة السورية. والتأجيل مر بثلاث مراحل. في الأولى كان بالرهان على النجاح في إدارة الحرب على داعش بما يضمن تدحرجها في الجغرافيتين السورية والعراقية، وقد افشله محور المقاومة بانتصاره في معارك الموصل ودير الزور والبادية وتدمر. والثانية بالرهان على مقايضة الوجود الأميركي بالوجود الإيراني والمقاوم في سورية ضماناً لأمن إسرائيل، كشرط من شروط التسوية التي تقبل بها واشنطن في سورية، وقد سقط رهان المقايضة نهائياً، واقتنع الروس بأن لا إمكانية لبحث وجود إيران وقوى المقاومة ما دام الجولان السوري محتلاً، ويعلن كيان الاحتلال ضمه وتؤيده واشنطن في ذلك، أما المرحلة الثالثة فكانت الرهان على عقدة إدلب بوجه تقدّم مشروع الدولة السورية لفتح استحقاق الخروج الأميركي، على قاعدة أن إدلب كآخر معقل للمسلحين والوافدين من الإرهابيين وللأتراك ستشكل تغييراً في وجهة الحرب التي كتبتها معارك حلب وما بعدها وصولاً إلى درعا، حتى قالت معركة خان شيخون العكس، فصار قرار الانسحاب على الطاولة راهناً.

Read more: الانسحاب الأميركي من سورية استحقاق مؤجّل... ولكن!: ناصر قنديل

لا يمثل قرار القضاء بتوقيف رئيس أو وزير وسجنه فكرة الدولة، لأن القضاء قد يقدم على ذلك بقوة سلطة خفية كالأجهزة الأمنية التي تغوّلت وصارت تحكم من وراء الستار وتمارس الانتقام بواسطة القضاء. كما لا يمثل فكرة الدولة انتظام المؤسسات الدستورية وأدائها استحقاقاتها في مواعيدها، لأن ذلك يحدث في كثير من المرات بشكل باهت وبارد وبمعزل عن المشاركة الشعبية أو الرضى والقبول والاهتمام من الناس. وكذلك لا يمثل خوف الناس من مخالفة رجال الأمن أو جباة المال. فهذا الخوف لا يعبر عن فعل إيمان وقناعة، لكن ربما يمثل فكرة الدولة بصورة مثلى توقف الناس عند الشارة الحمراء في شارع فارغ وبعد منتصف الليل، أو امتناعهم عن رمي عقب سيجارة ومحرمة ورقية مستعملة من نافذة السيارة، أو تقبل الوقوف في طابور التسلسل بانتظار الدور في أي دائرة حكومية لتعقيب معاملة، أو في المطار بغاية بلوغ شباك المعاينة الجمركية أو الأمنية. ويكون تمثيل فكرة الدولة أقوى، عندما يكون المعني مسؤولاً لأنه يقدم مع تجسيد فكرة الدولة فكرة التساوي أمام القانون التي ترمز إلى الدولة. وهذه أهمية أن يقدم على كل ذلك مسؤول في الدولة، شرط أن يفعل ذلك دون أن يلتقط صورة سيلفي أو يدع أحداً يفعلها.

Read more: ذهاب الوزير إلى القاضي يختصر فكرة الدولة: ناصر قنديل