Get Adobe Flash player

كانت أول أمس آخر محاولات تعديل التوازن السياسي بقوة تأثير نتائج ما جرى في 17 تشرين الماضي، بعدما بقيت الحركة التي قادها الوزير السابق شربل نحاس لتأطير زخم الحراك في إطار سياسي لحكومة انتقالية، في إطار دعوة نخبوية وانقسام الحراك بين اتجاه يطالب بعودة الرئيس سعد الحريري مركزه حراك الشمال، واتجاه عام يدعو لمنح الفرصة لحكومة الرئيس حسان دياب، وكانت حركة أطراف اليسار في الحراك التي فشلت في توحيد صفوفها بين حراك صيدا بقيادة النائب أسامة سعد وكل من الحزب الشيوعي وحركة الشعب، ومجموعات شبابية في الحراك كشباب المصرف وسواهم، هي الأخرى تسلم بمنح الفرصة لحكومة دياب، لكن بلا سقف سياسي قابل للترجمة في المعادلات الحكومية، حيث الانتخابات المبكرة عادت لتشكل موضوع انقسام داخل مجموعات الحراك نفسها بعدما كانت موضوع إجماع في النداءات الأولى لـ 17 تشرين.

Read more: المعاني السياسيّة لـ 6-6…البداية والنهاية: ناصر قنديل

 

في مثل هذه الأيام من العام 1982، كان الزلزال في بداياته مع بدء اجتياح جيش الاحتلال للبنان. وبعد شهور من المواجهة كان لبنان خاضعاً للاحتلال حتى عاصمته وقصره الرئاسي في بعبدا. وبالمقابل كانت أقليّة لبنانيّة عابرة للطوائف تؤمن بالمقاومة، وكانت أقلية ضئيلة جداً لكنها مؤمنة جداً وواثقة جداً بحتمية نصرها المقبل، وكان سائر اللبنانيين بين المنتظر لمعجزة، والمراهن على الأمم المتحدة والضغوط الدولية، والمتقبل لفكرة «تنازلات لا بد منها» عن السيادة في اتفاق تفاوضي يخرج الاحتلال، وصولاً لفريق يرحب بالاحتلال ويتماهى معه ويراه وسيلة مناسبة وتاريخية لتحقيق ما استعصى عليه تحقيقه بالاستناد على حجمه اللبناني الصرف. وخلافاً لأكذوبة الإجماع الوطني حول المقاومة التي يروج لها منذ التحرير قبل عشرين عاماً، شقت المقاومة طريقها عكس الإجماع الوطني، بقوة الإنجازات المحققة بتضحيات مقاومين أشداء، مقابل سقوط كل الرهانات المقابلة وعجزها عن تحقيق استرداد أي شبر من الأرض والإرادة المحتلتين، وخلال تراكم استمر قرابة عشرين عاماً، من الإنجازات التي كانت تحققها المقاومة والخيبات التي تصيب الرهانات المعاكسة، أنجزت المقاومة في ظل انقسام عميق وكبير حول صواب خياراتها، وحول صدقية ووطنية خياراتها، الإنجاز التاريخي الأكبر في تاريخ لبنان، بتحرير الأرض دون تفاوض ودون شرط.

Read more: 6-6-1982 الى 6-6-2020 ما الذي تغيّر؟: ناصر قنديل

يتوزّع النقاش السياسي في لبنان هذه الأيام، على عنوانين، الأول هو قانون قيصر للعقوبات على سورية، والثاني الحملة التي تستهدف سلاح المقاومة. وينقسم اللبنانيون على أساس تصديق الفرضيتين، كمواضيع راهنة وحاضرة. وفي العنوان الأول ينقسمون بين من يدعو لعدم التقيّد بالعقوبات ومن يتحدث عن مرونة في تطبيقها ومن يدعو لاحترامها بصرامة. وفي العنوان الثاني ينقسمون بين متمسّك بالسلاح وداعٍ لنزعه وثالث يدعو لاستراتيجية وطنية للدفاع تنظم العلاقة بالسلاح. ويمكن لأي عاقل التدقيق بالموضوعين كعناوين سياسية ليكتشف ببساطة أنهما ليسا على جدول أعمال أي جهة جدية كمواضيع راهنة.

Read more: الحياة السياسيّة في لبنان ظاهرة صوتيّة: ناصر قنديل

أكد ألكسندر دوجين نظريته، وتراجع توماس فريدمان عن نظريته، فنظرية الأول قامت ولا تزال تقوم على نفي قدرة العولمة على تشكيل بديل يرث المتحدات التاريخيّة التي عاشت ونمت في وعائها الحضارة الإنسانيّة بتلاوين مختلفة، لأن هذه المتحدات التاريخية الحضارية ذات عمق ثقافي وإنساني لا تحتويه المصالح مهما بدت قوية وجارفة، فهي تشكل أحد روافد تجد هذه المتحدات بألوان جديدة لا أكثر، ولذلك كان دوجين حازماً في يقينه بسقوط المشروع الأميركي لقيادة العالم بقانون الأحادية، وصارماً في الدعوة للتهيؤ لهذا السقوط ببناء استباقي للحوض الأوراسي وركائزه الثلاثية الروسي الصيني الإيراني، انطلاقاً من الزلزال التاريخي التي تعيشه البشرية انطلاقاً من سورية، حيث المشروع الأميركي يطل بآخر جيوش الليبرالية التي يمثلها ثنائي القاعدة وداعش، كما كان مضمون كلامه وموضوع توافقنا في حوارنا الذي نشرته “البناء” قبل أقل من سنة في الخريف الماضي. بينما قامت نظرية فريدمان كما شرحها في كتابه شجرة الزيتون وسيارة اللكزس الصادر في تسعينيات القرن الماضي، على نهاية زمن الهويات كأساس لصراعات القرن الحادي والعشرين، الذي ستحكمه سباقات السعيّ للرفاه، وما تستدعيه من تنازل عن الهويّات الثقافيّة والقوميّة، وهذا معنى رمزية كتابه الذي يشرح قوانين العولمة بسقوط الهوية الخصوصية الماضوية التي تمثلها شجرة الزيتون لصالح الهوية المستقبلية الجامعة التي ترمز إليها سيارة اللكزس، ولذلك كان فريدمان واثقاً في منتصف التسعينيّات عندما تناقشنا بكتابه بعد صدوره من تقدم مشروع تقوده واشنطن لإنهاء الصراع حول القضية الفلسطينية، وصولاً إلى نهاية الطريق، وفق نظريته عن حتمية تغلب اللكزس على شجرة الزيتون، بمقدار ما كنت واثقاً من أن المشروع الأميركي الذي يعرض علينا سيارات اللكزس لنقتلع أشجار زيتوننا بأيدينا، ملتزم عقائدياً واستراتيجيا وثقافيا بغرس المزيد من أشجار زيتون عدونا الذي يحتل أرضنا، واتفقنا أن التاريخ سيحكم بيننا.

Read more: أميركا تكسّرت.. فما البديل؟: ناصر قنديل

قبل العقوبات الأخيرة التي فرضتها الإدارة الأميركية على سورية، كانت سياسة الحكومة تجاه سورية مرتبكة، فهي تدرك أن لا منطق يبرر التعامل عن بعد بلغة المصالح اللبنانية، المنطلقة من حسابات بسيطة، لكون الحكومة السورية محور أي شراكة في حل أزمة النازحين السوريين، في ظل إجماع على حجم كلفتهم على الاقتصاد، ولكون سورية الجوار الاقتصادي الوحيد للبنان، والمعبر الإلزامي للتجارة اللبنانية نحو العمق العربي الخليجي والعراقي، لكن الحكومة لم تقم بأي خطوة مختلفة عما كان سائداً قبلها، لأنها مرتبكة. وهي مرتبكة بفعل إقامة حسابات سياسية تصنعها مخاوف، ومجاملات، وافتراضات لردود أفعال، سواء تجاه بعض الداخل المعارض للعلاقة مع سورية، أو بعض الخارج الخليجي والأميركي الذي يريد ارتهان لبنان وربط علاقته بسورية، بعلاقة هذا الخارج الخليجي والأميركي بسورية.

Read more: الارتباك الحكومي والعلاقة مع سورية… والعقوبات: ناصر قنديل