Get Adobe Flash player

– مهما حاول ديفيد شنكر وسواه من المسؤولين الأميركيين إخفاء دورهم في الأزمة المالية وتداعياتها، عبر الحديث عن مسؤولية أخرى صحيحة لا يمكن لأصحابها إنكارها وهي مسؤولية القيادات السياسية اللبنانية التي أمسكت بزمام الحكم خلال الأعوام الثلاثين الماضية وتعاقبت على المواقع المقررة فيه. فالمسؤولية موزعة بين إرادة داخلية أعماها الطمع عن رؤية مخاطر لعبة الدين المفتوحة بلا سقوف، بما يوفره الدين من مال سهل لا يسأل أصحابه إلا عن أسعار الفوائد، من دون أن يعنيهم كيف يتمّ إنفاق المال، رغم أن الذين قاموا بتوفير الاستدانة وتسهيلها في الداخل والخارج كانوا يعلمون واقع الحال سواء لجهة فوضى التوظيف في القطاع العام أو المحاصصة الحاكمة للتلزيمات والقطاعات الاقتصادية في الدولة، والفساد المسشتري في قواعد التوظيف والإنفاق معاً، ويعلمون أيضاً أن بلوغ الديون سقوفاً عالية سيعرضها للضياع، وبلوغ لبنان معها شفير الهاوية والسقوط، وهذا يجعلهم شركاء في الجريمة مرتين، مرة لأنهم شركاء ضمنيون في الفساد الذي قبضوا ثمن شراكتهم بتمويله فوائد مبالغ بها، ومرة لأنهم عرضوا بسبب هذا الجشع أصحاب الأموال الذين وثقوا بهم وبخبرتهم ومسؤوليتهم لضمان مستقبل استثمار أموالهم. وهذا يطال المصارف اللبنانية والمؤسسات المالية الداخلية والخارجية التي شاركت في توفير التمويل للديون، وتسويق الديون، وإصدار التقارير حولها، وصولاً للمسؤولين في مصرف لبنان ومن خلفهم المسؤولون في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين كان يجري كل شيء تحت أنظارهم.

Read more: بين عضّ الأصابع
وحافة الهاوية والانهيار: ناصر قنديل

يقول دبلوماسي روسي مخضرم إن دور الدبلوماسية قراءة الجوانب التي لا يقرأها الآخرون في الأحداث، لأنها تنبئ بما لا تكشفه الوجهة الطاغية على الحدث، فعندما وقع الاتفاق النووي بين مجموعة الخمسة زائداً واحداً مع إيران، وكان الناس يستقرئون النتائج السياسية والاستراتيجية والاقتصادية المتوقعة، فيما كانت الدبلوماسية المحترفة وذات الخبرة في أي بلد في العالم، معنية باستكشاف تعقيدات تطبيق الاتفاق واحتمالات عرقلته وتفخيخه في سياق التنفيذ، وصولاً لتعليقه أو نسفه، وكانت عليها محاولة توقع السيناريوات المحتملة. ويضيف الدبلوماسي الروسي المخضرم، أنه مع التعقيد الذي يواجهه الاتفاق منذ سنتين، وصولاً لخطر السقوط، من واجب الدبلوماسية أن تطرح السؤال حول أسباب صمود الاتفاق حتى الآن؟

Read more: ثبات الاتفاق النوويّ مؤشر على ما هو أبعد بكثير: ناصر قنديل

القضية لا ترتبط بخصوصية لبنانية فرنسية وحسب، فالكلام الذي قاله وزير المالية الفرنسية في الرياض خلال اجتماع وزراء مالية دول قمة العشرين، التي تترأسها السعودية هذا العام وتنعقد في تشرين الثاني المقبل، يتخطى الإعلان عن نية حكومة فرنسا مد يد المساعدة مالياً للبنان، ليكرّر منهجياً الموقف الفرنسي من الاتفاق النووي مع إيران، الذي دعت فرنسا إلى الفصل بينه وبين المواجهة الأميركية مع إيران، وتبنت موقفاً يقول إن الربط بين الاتفاق والمواجهة مع إيران يؤدي لنتائج عكسيّة، حيث المخاطرة بسقوط الاتفاق ستعني مزيداً من الفوضى في الشرق الأوسط، وستدفع بإيران إلى الذهاب نحو خيارات نووية وإقليمية يترتب عليها خلق وقائع جديدة يصعب التراجع عنها، ودعت لحماية الاتفاق من السقوط، وخوض حوار متعدّد وجدّي مع إيران حول القضايا الخلافيّة، وهو عملياً ذات الموقف الذي قاله وزير المالية الفرنسية تجاه لبنان، بالفصل بين مساعدته مالياً وبين المواجهة الأميركيّة مع إيران.

Read more: هل تجرؤ فرنسا في لبنان؟: ناصر قنديل

يستعين كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب أردوغان بالآخر لتعديل التوازنات والتهرّب من الاستحقاقات، لكن لا يبدو ان أحداً منهما مستعدّ لدفع فاتورة المواجهة اللازمة لتحقيق ذلك، فتحل المناورات والاستعراضات مكان المواجهات الفعلية، وتتحوّل كل الخطط العسكريّة والسياسية على محاولات لشراء الوقت. فالرجلان يواجهان استحقاقاً انتخابياً غير مطمئن، فإذا كان العالم قد انشغل عن نتائج الانتخابات المحلية في أميركا وتركيا فإن ذائقة الهزيمة فيهما لا تزال في فم الرجلين المعنيّين بالانتخابات الرئاسية المقبلة في موعدها أميركياً بعد شهور، والمرجّحة في تركيا قبل موعدها المقرّر بعد ثلاث سنوات. فالمعارضة التركية استعادت عافيتها منذ فوزها ببلدية إسطمبول في الصيف الماضي، والحزب الجمهوري قلق من مؤشرات فوز الديمقراطيين في الخريف الماضي بولايات فرجينيا وكنتاكي المعروفتين بولائهما التقليدي للجمهوريين.

Read more: الوضع الداخليّ التركيّ والأميركيّ يشجّع روسيا وإيران: ناصر قنديل

تتطابق الحسابات التركية الخاصة بالتطلع لدور إقليمي أكبر من حجم ما يمكن تحقيقه من خلال البقاء في منطقة وسط بين محور تقوده واشنطن وآخر تقوده موسكو، مع حسابات واشنطن للتحوّلات الجارية في المنطقة والتي تؤذن بدخولها مرحلة جديدة، تستعدّ خلالها إيران وقوى المقاومة لإحداث تغييرات جذرية في موازين القوى في مواجهة واشنطن، تأسيساً على النجاح بتفادي أزمات حكوميّة في لبنان والعراق، وإنجاز تغيير جذري في المشهد السياسي الإيراني من بوابة الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي تمّت تحت شعار برلمان قاسم سليماني، للبدء بتطبيق الخطة التي أعلنها الإمام علي الخامنئي باعتبارها المرحلة الثانية من الثورة بعد إنجاز المرحلة الأولى وعنوانها الاقتدار، وبتحويل التحدّي الناجم عن اغتيال القائد قاسم سليماني وإطلاق صفقة القرن إلى فرص لتفعيل المواجهة مع واشنطن، لتصعيد المقاومة في فلسطين ونقل الصراع إلى مرحلة نوعية جديدة يصعب كسرها، وتصعيد الحملة السياسية والعسكرية لإخراج القوات الأميركية من أفغانستان والعراق وسورية تحت شعار إخراج الأميركيّين من المنطقة.

Read more: أردوغان يحاول إعاقة المرحلة الجديدة في المنطقة: ناصر قنديل