Get Adobe Flash player

عندما تكون الودائع السوريّة في المصارف اللبنانيّة والتي تزيد عن عشرين مليار دولار، قد أصابها ما أصاب الودائع اللبنانية، وعندما يكون ما ينطبق على بعض الودائع اللبنانية لجهة حق الإفادة من احتياطات المصرف المركزي للقيام بأعمال الاستيراد للسلع الضرورية، لا ينطبق بطبيعة الحال على الودائع السوريّة التي كان جزء رئيسي منها يغطي فواتير الاستيراد لسلع رئيسية في السوق السورية، يصير طبيعياً توقع الاعتماد على الضغط على سوق الصرف السورية لتأمين الدولارات اللازمة لتغطية حاجات الاستيراد. وهذا سيتكفل بإحداث قفزات متسارعة في سوق الصرف، وعندما تكون فاتورة المشتقات النفطية هي الكتلة الكبرى من هذا الاستيراد، قد تمّ تأمينها من دون الدخول في سوق الصرف. فهذا سيتكفل بتوفير الفرصة لقفزات عكسية في سوق الصرف، وهذا ببساطة ما شهدته سوق الصرف السورية خلال الشهر الماضي حتى ليل أمس، وفي خط صعود سعر الدولار يدخل المضاربون لمضاعفة الارتفاع، وتدخل الحرب النفسية لمنحه تفسيرات تتيح مضاعفته مرة أخرى، وتستثمر على توظيفه في السياسة، لكن عندما ينخفض السعر يكون ممكناً لسياسات دعم الليرة بعرض دولارات في السوق أن تساهم بتخفيض سعر الصرف، ولمواجهة جماعات الحرب النفسيّة أن تؤتي نتائجها، وهذا ما حصل أمس.

Read more: الحرب النفسيّة هي العقوبات الحقيقيّة ‏: ناصر قنديل

 

كثيراً ما يُطرح السؤال داخل قوى المقاومة تحت عنوان، أين أخطأنا في التعامل مع المسار التراكميّ نحو الانهيار في الأزمة الاقتصادية المالية، ويطغى في بحث التقييم الخضوع الضمني لخطاب دائم الانتقاد للمقاومة، خصوصاً لحزب الله لعدم إعلانه خوض المواجهة المفتوحة مع سياسات الدين والفوائد، واتهامه بتغطية الفساد او الصمت عنه، تحت شعار أولوية الاستقرار، كحاجة لحماية مسار المقاومة، ومنع الفتن، وهو ما يحاول خصوم المقاومة تلخيصه بمعادلة خبيثة عنوانها، مقايضة الصمت على السلاح بالصمت عن الفساد، وهذا العنوان موضوع حملة قديمة متجدّدة استمرت وتعاظمت لتصير تحت عنوان تحميل سلاح المقاومة مسؤولية الفساد، كما تجلت في الدعوة لتظاهرة 6-6، وربط الخروج من الأزمة المالية بتلبية الشروط الأميركية بنزع السلاح، وإن لم يكن نزع السلاح قد حظي بقبول شعبي يكفي لجعله حاضراً، فهذا لا ينفي أن كثيراً من الصالونات تتحدث عن تنازلات لا بد منها للحصول على الدعم الدولي اللازم، وعينها هي على ما يمكن طلبه من حزب الله. وعلى ضفة موازية تستمر حملة مطالبة حزب الله بالمزيد من الانخراط في حملة ثورية على الفساد تنتهي بتدحرج الرؤوس الكبيرة، ليوضع حزب الله بين مطرقة هؤلاء وسندان أولئك، بالرغم من الشرح الذي قدّمه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لخلفيات موقف حزب الله الهادئ في مواجهة الفساد والمبني على التمسك باعتماد طريق أحادي هو القضاء وتمكين القضاء، وتأكيد أن القلق من خطر الانزلاق نحو الفتنة لا يتصل بالحرص على سلاح المقاومة، بمقدار اتصاله بالحرص على البلد القائم على معادلات طائفيّة متفجرة، أكدت صدقيته أحداث اليومين الماضيين، وخطورة تخيّل القدرة السحرية على مواجهة الفساد بمجرد وجود النية والرغبة والإرادة، إذا تم تجاهل الآليات الصحيحة والتي تأخذ الخصوصية اللبنانية بعين الاعتبار.

Read more: نحو قراءة نقديّة لمسار مواجهة الأزمة: ناصر قنديل

 

في مثل هذه الأيام من العام 1982، كان الزلزال في بداياته مع بدء اجتياح جيش الاحتلال للبنان. وبعد شهور من المواجهة كان لبنان خاضعاً للاحتلال حتى عاصمته وقصره الرئاسي في بعبدا. وبالمقابل كانت أقليّة لبنانيّة عابرة للطوائف تؤمن بالمقاومة، وكانت أقلية ضئيلة جداً لكنها مؤمنة جداً وواثقة جداً بحتمية نصرها المقبل، وكان سائر اللبنانيين بين المنتظر لمعجزة، والمراهن على الأمم المتحدة والضغوط الدولية، والمتقبل لفكرة «تنازلات لا بد منها» عن السيادة في اتفاق تفاوضي يخرج الاحتلال، وصولاً لفريق يرحب بالاحتلال ويتماهى معه ويراه وسيلة مناسبة وتاريخية لتحقيق ما استعصى عليه تحقيقه بالاستناد على حجمه اللبناني الصرف. وخلافاً لأكذوبة الإجماع الوطني حول المقاومة التي يروج لها منذ التحرير قبل عشرين عاماً، شقت المقاومة طريقها عكس الإجماع الوطني، بقوة الإنجازات المحققة بتضحيات مقاومين أشداء، مقابل سقوط كل الرهانات المقابلة وعجزها عن تحقيق استرداد أي شبر من الأرض والإرادة المحتلتين، وخلال تراكم استمر قرابة عشرين عاماً، من الإنجازات التي كانت تحققها المقاومة والخيبات التي تصيب الرهانات المعاكسة، أنجزت المقاومة في ظل انقسام عميق وكبير حول صواب خياراتها، وحول صدقية ووطنية خياراتها، الإنجاز التاريخي الأكبر في تاريخ لبنان، بتحرير الأرض دون تفاوض ودون شرط.

Read more: 6-6-1982 الى 6-6-2020 ما الذي تغيّر؟: ناصر قنديل

كانت أول أمس آخر محاولات تعديل التوازن السياسي بقوة تأثير نتائج ما جرى في 17 تشرين الماضي، بعدما بقيت الحركة التي قادها الوزير السابق شربل نحاس لتأطير زخم الحراك في إطار سياسي لحكومة انتقالية، في إطار دعوة نخبوية وانقسام الحراك بين اتجاه يطالب بعودة الرئيس سعد الحريري مركزه حراك الشمال، واتجاه عام يدعو لمنح الفرصة لحكومة الرئيس حسان دياب، وكانت حركة أطراف اليسار في الحراك التي فشلت في توحيد صفوفها بين حراك صيدا بقيادة النائب أسامة سعد وكل من الحزب الشيوعي وحركة الشعب، ومجموعات شبابية في الحراك كشباب المصرف وسواهم، هي الأخرى تسلم بمنح الفرصة لحكومة دياب، لكن بلا سقف سياسي قابل للترجمة في المعادلات الحكومية، حيث الانتخابات المبكرة عادت لتشكل موضوع انقسام داخل مجموعات الحراك نفسها بعدما كانت موضوع إجماع في النداءات الأولى لـ 17 تشرين.

Read more: المعاني السياسيّة لـ 6-6…البداية والنهاية: ناصر قنديل

أكد ألكسندر دوجين نظريته، وتراجع توماس فريدمان عن نظريته، فنظرية الأول قامت ولا تزال تقوم على نفي قدرة العولمة على تشكيل بديل يرث المتحدات التاريخيّة التي عاشت ونمت في وعائها الحضارة الإنسانيّة بتلاوين مختلفة، لأن هذه المتحدات التاريخية الحضارية ذات عمق ثقافي وإنساني لا تحتويه المصالح مهما بدت قوية وجارفة، فهي تشكل أحد روافد تجد هذه المتحدات بألوان جديدة لا أكثر، ولذلك كان دوجين حازماً في يقينه بسقوط المشروع الأميركي لقيادة العالم بقانون الأحادية، وصارماً في الدعوة للتهيؤ لهذا السقوط ببناء استباقي للحوض الأوراسي وركائزه الثلاثية الروسي الصيني الإيراني، انطلاقاً من الزلزال التاريخي التي تعيشه البشرية انطلاقاً من سورية، حيث المشروع الأميركي يطل بآخر جيوش الليبرالية التي يمثلها ثنائي القاعدة وداعش، كما كان مضمون كلامه وموضوع توافقنا في حوارنا الذي نشرته “البناء” قبل أقل من سنة في الخريف الماضي. بينما قامت نظرية فريدمان كما شرحها في كتابه شجرة الزيتون وسيارة اللكزس الصادر في تسعينيات القرن الماضي، على نهاية زمن الهويات كأساس لصراعات القرن الحادي والعشرين، الذي ستحكمه سباقات السعيّ للرفاه، وما تستدعيه من تنازل عن الهويّات الثقافيّة والقوميّة، وهذا معنى رمزية كتابه الذي يشرح قوانين العولمة بسقوط الهوية الخصوصية الماضوية التي تمثلها شجرة الزيتون لصالح الهوية المستقبلية الجامعة التي ترمز إليها سيارة اللكزس، ولذلك كان فريدمان واثقاً في منتصف التسعينيّات عندما تناقشنا بكتابه بعد صدوره من تقدم مشروع تقوده واشنطن لإنهاء الصراع حول القضية الفلسطينية، وصولاً إلى نهاية الطريق، وفق نظريته عن حتمية تغلب اللكزس على شجرة الزيتون، بمقدار ما كنت واثقاً من أن المشروع الأميركي الذي يعرض علينا سيارات اللكزس لنقتلع أشجار زيتوننا بأيدينا، ملتزم عقائدياً واستراتيجيا وثقافيا بغرس المزيد من أشجار زيتون عدونا الذي يحتل أرضنا، واتفقنا أن التاريخ سيحكم بيننا.

Read more: أميركا تكسّرت.. فما البديل؟: ناصر قنديل