Get Adobe Flash player

على مدار سنوات الحرب على سورية يشتغل الإعلام المعادي للدولة السورية وأغلبه مموّل خليجياً، على معادلات تتراوح بين حدّين، الأول تعظيم الدور الذي تقوم به القوى الملتحقة بواشنطن وتصويرها صانعة المبادرات العسكرية والسياسية، والثاني التهوين من أي تحرك أو نجاح أو إنجاز عسكري أو سياسي وتصويره ثمرة لتفاهمات، وأحياناً لصفقات. بتصوير الأمر كثمرة لتنسيق مسبق ينتقص من سيادة الدولة السورية ومهابتها، ويقدّمها كمجرد تابع لمعادلات تُصنَع خارج سورية، وإذا كانت الشواهد على النوع الأول من الحملات الإعلامية الذي يعظم أعداء سورية ويصورهم صناعاً للسياسة والميدان، كثيرة وتكفي للتذكير بها، استعادة كيفية تصوير تمدّد داعش، ومن بعدها مواجهات قسد وداعش، وعندما دخل الجيش السوري إلى دير الزور، كمثل عندما دخل إلى درعا والجنوب، الصورة تتغيّر. فالدخول ثمرة صفقة مرة شارك فيها الأميركي في دير الزور لترسيم الحدود بين قسد والدولة السورية، بما يعني رضاً سورياً عن التقسيم، وتفريطاً بوحدة سورية. ومرة شارك فيها الإسرائيلي جنوباً لضمان أمنه، فتصير الدولة السورية مجرد حارس حدود للاحتلال الجاثم على صدر الجولان.

Read more: لو كان القرار السوري منسَّقاً لأيدوه!: ناصر قنديل

خلافاً لما يقرأه الكثيرون في تسلسل الأحداث، فالذي حَدَث هو أن الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد منذ بداية العدوان التركي أصدر أوامره بالاستعداد للجيش العربي السوري للتوجّه شمالاً ووضع الخطط والترتيبات وقراءة الميدان والخرائط واختيار الأماكن. وجيش محترف كالجيش السوري يملك في أرشيفه المعدّ سلفاً عشرات المشاريع والبدائل لكل فرضيّة والذي حدث أن الرئيس الأسد أبلغ الحليفين الروسي والإيراني قراره بردّ العدوان، مهما كان الثمن، فتلك مسؤولية الدولة السورية عن حفظ سيادتها وحماية وحدتها وعن أبنائها وأرضها. وأبلغت القيادة السورية لقيادة قسد بواسطة الروس والإيرانيين ومباشرة بالقرار السوري، وبأن مَن يقف بوجه الجيش السوري سيعامَل بالسلاح المناسب، والجيش السوري لن يطلب تفاهمات تتيح له الدخول إلى أي أرض سورية. فمن يعتبر أنه سوري مدعوّ للوقوف خلف الجيش السوري. أما السياسة فلها مستويات أخرى، لكنها ليست موضوعاً قابلاً للمقايضة في موازاة قضيتي وحدة سورية وسيادتها.

Read more: سورية قرّرت ولم تعقد تفاهمات... فرض الدور بالقوة: ناصر قنديل

يعتقد الرئيس التركي أنه يملك قوة راكمها خلال سنوات الحرب على سورية يجب أن تحجز له مكاناً في مستقبلها، وهي مجموعة من عشرات آلاف الأخوان المسلمين المنظمين في جيش عميل لتركيا/ وهو يباهي بذلك ويرفع العلم التركي ويقاتل تحت قيادة الجيش التركي، بما يعيد للذاكرة صورة جيش العميل أنطوان لحد الذي كان يمسك بالشريط الحدودي المحتل في جنوب لبنان قبل تحريره. ويرغب أردوغان ببناء شريط مثله يعيد إليه أعداداً من النازحين ويستولي على نفطه، كما طمحت إسرائيل بالاستيلاء على مياه نهر الليطاني في جنوب لبنان، وقوة الارتكاز التركية من السوريين تشبه الجماعات التي تستند إليها قسد الذين كانوا يرفعون الأعلام الأميركية ويباهون بتبعيتهم لواشنطن، ويقدمون هوية الكانتون الذي قاموا ببنائه على هويتهم الوطنية السورية. وبالمناسبة فعشرات الآلاف هنا وعشرات الآلاف هناك يختصرون عملياً ما سُمّي بـ الثورة السورية ذات يوم على ألسنة الأميركيين والأتراك، وهو الآن يتكشف عن مجموعة عملاء سوريين للأميركيين والأتراك يدفعون ثمن عمالتهم الغبية، أو يؤدون مترتبات عمالتهم الأشد غباءً.

Read more: قسد وأردوغان توأمان يتقاتلان: ناصر قنديل

من الزاوية العلمية البحتة لا وجود لنص قانوني في لبنان أو في غير لبنان يوصف الإجراءات التي تتضمّنها حال الطوارئ الاقتصادية، ولا ماهية وقوام الهيئة التي تشرف عليها وتناط بها كما يوحي الاسم، اتخاذ إجراءات غير عادية في مواجهة تحديات يفترض أنه لا يمكن التصدي لها بالطرق التقليدية، وتستدعي اعتماد إجراءات تبدو مخالفة لنمط النظام الاقتصادي والنقدي المعمول به، بصورة مؤقتة تبقى ما بقيت حالة الطوارئ، وتسقط بتجاوز الحالة التي تسببت إعلان الطوارئ. ومن المفهوم أن مبادرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري للدعوة لحال الطوارئ لم تكن تقديماً لوصفة سحرية بقدر ما كانت إعلاناً عن الحاجة لمثل هذه الإجراءات الاستثنائية التي يفترض بالمسؤولين في القطاعات الاقتصادية والمالية والنقدية تحديد ماهيتها وبلورتها بنصوص، يصدر كل منها وفقاً لطبيعته، بصيغة قوانين أو مراسيم أو قرارات.

Read more: ليست إدارة طوارئ اقتصادية.. بل فلتان؟!: ناصر قنديل

في الظاهر تبدو الأحداث الجارية شمال سورية مأزقاً كردياً خالصاً، ويبدو الرئيس التركي رجب أردوغان وقد ربح رهانه بالانسحاب الأميركي وفتح الطريق لعمليته العسكرية. بينما في الواقع، مأزق الأكراد الحقيقي لا يحجب مأزق تركيا ورئيسها. فالمنطقة التي ستشكل مسرح معركة متعددة الأطراف في شمال شرق سورية، تختزن مجموعة من العناوين، أولها النفط وثانيها بقايا داعش وثالثها التعدّد العرقي وأهمها هويتها السورية. وإذا كان من الطبيعي أن يواجه الأكراد مأزق رهانهم الخاسر على الأميركي، وعجزهم عن مواجهة الغزو التركي منفردين، فإن الأتراك سيواجهون أسئلة لا يستطيعون تحاشي ما سيترتّب على كل جواب حولها: فهل سيستبدلون كانتوناً كردياً بكانتون لجماعات مسلحة يديرونها على طريقة جماعة أنطون لحد في جنوب لبنان قبل تحريره؟ وهل سيستبدلون نهب القيادات الكردية للنفط السوري بنهبهم هم وجماعاتهم لهذا النفط؟ وهل سيستطيعون هم وجماعاتهم حل مشكلة تفلت جماعات داعش الذين سيلجأ قادة الأكراد إلى إطلاقهم وابتزاز العالم الذي باعهم بجعله يواجه خطر اسمه عودة داعش، ولداعش مع تركيا تاريخ معلوم، كتاريخ تركيا وجبهة النصرة الذي لا يزال يلاحقها ويستنزف مكانتها ومهابتها ودورها في إدلب.

Read more: تركيا والأكراد معاً في عنق زجاجة: ناصر قنديل