Get Adobe Flash player

يعرف الرئيس التركي رجب أردوغان أنه لو بقي صامتاً أمام تقدم الجيش السوري في حملته التي حررت الطريق الدولي بين حلب ودمشق، واتجه في حملة ثانية لتحرير طريق اللاذقية حلب، لكان المقرّر للعمليات العسكرية فتح باب مصير مدينة إدلب عبر تطويقها، ومنح النظام التركي دوراً في سحب السلاح الثقيل منها والتمهيد لحل سياسي يقضي بتسيير دوريات روسية تركية فيها، لأنه يعرف بالحرف والنقطة والفاصلة ما تمّ الاتفاق عليه في اللقاءات التي جمعته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبالتفاهمات التي أنجزها عسكريّوه مع العسكريين الروس. كما يعرف بالنقطة والفاصلة والحرف أن العملية العسكرية جاءت بعدما تلكأ أو أعلن عجزه عن تنفيذ ما تعهّد به بالنسبة للطريقين الدوليين ومصير الجماعات الإرهابيّة الممسكة بهما.

Read more: مصير أردوغان في سراقب: ناصر قنديل

ليس في تاريخ الأحزاب التي نعرفها عبر التاريخ، مسيرة دراميّة مليئة بالأحداث الأسطوريّة، سواء لجهة طابعها الملحميّ، أو لجهة تزاحم أحداثها الكبيرة، ودرجة العبقريّة التي تخفيها شخصية بطلها الأول، ما يشبه ثنائية الزعيم أنطون سعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي. فالحزب الذي تأسس عام 1932 ولد مؤسسه وواضع عقيدته ومنشئ تشكيله النظامي الأول في أول آذار عام 1904، أي أن الزعيم الذي وضع العقيدة بما فيها من معالجات نظرية معقدة وتحليلات تتداخل مع شتى العلوم، من الجغرافيا والتاريخ إلى النظريات السياسية الوضعية والعقائد المنتشرة، والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلوم السياسة والاستراتيجيات وفنون وأصول الإدارة، كان في الثامنة والعشرين من العمر فقط، وخلال السنوات التي تلت التأسيس قبل استشهاد الزعيم، والتي تشكل بمجموعها سبع عشرة سنة، تحوّل الحزب وزعيمه قضية أولى على جداول أعمال أنظمة المنطقة وفي طليعتها الكيان الغاصب لفلسطين والاستعمار الفرنسي والبريطاني، بسبب التهديد الجدّي الذي مثله انتشار وتوسّع وتجذر بنائه التنظيمي وأدائه النضالي، حتى توافق الجميع على التخلص من سعاده وإعدامه الذي شكل بذاته ملحمة بطولة نادرة في حياة رجال الفكر والسياسة، جعلت الكثيرين يقارنون بين اعتقال وإعدام سعاده الثائر، واعتقال وإعدام الثائر الأمميّ أرنستوتشي غيفارا، وربما ترجح كفة سعاده لدى الكثيرين منهم.

Read more: فتى آذار… الثائر الأول: ناصر قنديل

– مهما حاول ديفيد شنكر وسواه من المسؤولين الأميركيين إخفاء دورهم في الأزمة المالية وتداعياتها، عبر الحديث عن مسؤولية أخرى صحيحة لا يمكن لأصحابها إنكارها وهي مسؤولية القيادات السياسية اللبنانية التي أمسكت بزمام الحكم خلال الأعوام الثلاثين الماضية وتعاقبت على المواقع المقررة فيه. فالمسؤولية موزعة بين إرادة داخلية أعماها الطمع عن رؤية مخاطر لعبة الدين المفتوحة بلا سقوف، بما يوفره الدين من مال سهل لا يسأل أصحابه إلا عن أسعار الفوائد، من دون أن يعنيهم كيف يتمّ إنفاق المال، رغم أن الذين قاموا بتوفير الاستدانة وتسهيلها في الداخل والخارج كانوا يعلمون واقع الحال سواء لجهة فوضى التوظيف في القطاع العام أو المحاصصة الحاكمة للتلزيمات والقطاعات الاقتصادية في الدولة، والفساد المسشتري في قواعد التوظيف والإنفاق معاً، ويعلمون أيضاً أن بلوغ الديون سقوفاً عالية سيعرضها للضياع، وبلوغ لبنان معها شفير الهاوية والسقوط، وهذا يجعلهم شركاء في الجريمة مرتين، مرة لأنهم شركاء ضمنيون في الفساد الذي قبضوا ثمن شراكتهم بتمويله فوائد مبالغ بها، ومرة لأنهم عرضوا بسبب هذا الجشع أصحاب الأموال الذين وثقوا بهم وبخبرتهم ومسؤوليتهم لضمان مستقبل استثمار أموالهم. وهذا يطال المصارف اللبنانية والمؤسسات المالية الداخلية والخارجية التي شاركت في توفير التمويل للديون، وتسويق الديون، وإصدار التقارير حولها، وصولاً للمسؤولين في مصرف لبنان ومن خلفهم المسؤولون في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين كان يجري كل شيء تحت أنظارهم.

Read more: بين عضّ الأصابع
وحافة الهاوية والانهيار: ناصر قنديل

لطالما فرح الرئيس التركي رجب أردوغان وتبادل أنخاب النصر مع أركان حكمه، لدى تلقي الأنباء عن تقدّم الجماعات المسلحة في الجغرافيا السورية، سواءٌ أكانت جماعات الأخوان المسلمين أم تنظيم القاعدة أم تنظيم داعش، فما ليس صناعة تركية منها يسلّم بالمرجعية التركية، ومن لا يسلّم بهذه المرجعية له مصالح عضوية مع تركيا، ومن ليست له مصالح عضوية مع تركيا له مصالح حيويّة أو ظرفيّة تتيح لتركيا التصرف كضابط إيقاع لحرب السيطرة على سورية. فهي ليست ضابط الإيقاع الداخلي فقط، بل ضابط الإيقاع الخارجي أيضاً، حيث الدول المنخرطة في هذه الحرب من أميركا إلى دول الناتو وصولاً لـ»إسرائيل» ودول الخليج، والدول العربية التي تسلّم الأخوان الحكم فيها كمصر وتونس، ترتضي لتركيا هذا الدور، عن قناعة أو مصلحة أو تسليم بالتوازنات الدولية المحيطة بتفويض تركيا إدارة الحرب. وأردوغان الذي عاش أحلام السلطنة ورفع شعار العثمانية الجديدة، نظر منذ اليوم الأول لحرب السيطرة على سورية بصفتها حرب السلطنة والعثمانيّة الجديدة معاً، أي حربه كشخص ومعبر لمشروعه الذي باعه للأتراك واعداً إياهم باستعادة أمجاد وعظمة الماضي الاستعماري الإمبراطوري، محولا حزب الأخوان في العالم إلى مجلس قيادة لهذا المشروع، الذي نظرت إليه واشنطن بديمقراطييها وجمهورييها، كمشروع يوازي في بعده الاستراتيجي في آسيا ما مثله مشروع الاتحاد الأوروبي في أوروبا شرقها وغربها في التسعينيات، وبعدما تعثر المشروع الأصلي لفرض الهيمنة عبر حربي العراق وأفغانستان، لتكتمل بثنائية الاتحاد الأوروبي والعثمانيّة الجديدة ميمنة وميسرة زعامة القرن الحادي والعشرين في فرض الهيمنة الأميركية على العالم.

خلال سنوات الحرب الأولى كان الكثير من محبي سورية يتساءلون عن سبب التروي الذي يطبع سياسات الرئيس السوري بشار الأسد في اللجوء إلى القوة العسكرية، ومنحه الكثير من الفرص للحلول السياسية والإصلاحات الدستورية، رغم كلامه الواضح عن حرب ومؤامرة ومحوريّة دور الجماعات الإرهابية فيما سمّي بـ “الثورة السورية”، كما كان الكثيرون يتساءلون حول ما إذا كان الانفتاح السوري على تركيا قبل الحرب كان فخاً استراتيجياً نصبه الرئيس التركي للرئيس السوري، تمهيداً للحرب المضمرة، لضرب المناعات السورية بوجه تركيا وتوفير الفرص للتغلغل في البيئات السورية المختلفة، وكان الجواب على السؤالين هو، فلننتظر النهايات وعندها يظهر الكمين الاستراتيجي ومَن وقع فيه، ويضحك كثيراً من يضحك أخيراً.

الصمود والصبر شكّلا سمة تعامل الرئيس السوريّ وقيادته وجيشه مع الهجمات الشرسة والقاسية التي تعرّضت لها سورية خلال سنوات 2011 – 2015، والهدف أخذ يتوضح بالتدريج، وهو خلق القناعة لدى أغلبيّة كافية من الشعب السوري بأن ما يراه أمامه ليس ثورة ولا حركة إصلاحية بل مشروع إرهابي موجّه من الخارج لإسقاط سورية الوطن والدولة وليس تغيير شكل السلطة فيها، وصولاً لتفتيت سورية وتغيير موقعها وتدمير مكانتها وعمرانها وتاريخها ووحدتها، وبالتوازي خلق القناعة واليقين لدى حلفاء مستهدَفون مثل سورية عبر الحرب عليها، وفي طليعتهم قوى المقاومة وعلى رأسها حزب الله ومن خلفه إيران، بأن الحرب على سورية هي حرب “إسرائيل” تُخاض بالوكالة عبر تركيا، وهي حرب تغيير موقع سورية كعمق استراتيجيّ لحركات المقاومة، لتشكيل بيئة أخوانيّة تحيط بفلسطين تحكم مصر وسورية والأردن وتتحكم بفلسطين، تلتزم ما ظهر أنه سياسة الأخوان تجاه الاحتلال مع حكمهم لمصر، لكن الرئيس السوري وهو يخوض غمار هاتين المعركتين السياسيتين، ويمنحهما كل الاهتمام ويرصد تطوّر مواقف شرائح الشعب السوري والحلفاء في قوى المقاومة وإيران، ودرجة تطوّرها بقياس هذا التقدير لماهية الحرب ووظائفها، ويقدم في سبيل الفوز بهاتين المعركتين على المبادرة تلو الأخرى لتظهير جوهر أهداف الحرب، وعدم وجود فرص لتلافيها بتقديم الإصلاحات والمبادرات السياسية، كان أمامه سؤال استراتيجي حول نضوج روسيا لموقف يقرأ الحرب كاستهداف لأمنها، وقطعاً للطريق على دورها المتطلع للنمو، ومنعاً لها من الوصول إلى البحر المتوسط، وعزلها وراء المضائق التركيّة، ومحاصرتها بدول تحكمها العثمانية الجديدة، إذا قيّض لها الفوز بسورية؟

في مرات كثيرة كان بعض مَن في القيادة في سورية يستغرب قبول الرئيس الأسد للاستجابة لمبادرات تطلبها موسكو، ويرون فيها تنازلات غير مبررة، سواء في السياسة تحت شعار الحلول السياسية، أو في الميدان تحت شعار وقف نار أو عفو عن مسلحين، أو هدنة يدركون أن الجماعات المسلحة ستستثمرها لترتيب أمورها والعودة للقتال من مواقع أفضل، وكانوا يكتشفون لاحقاً أن الهدف كان السير على إيقاع البطء الروسي في صياغة الاستنتاجات، وفهم سياق الأحداث، لأنه إذا كانت الحرب التي شنت للسيطرة على سورية تكاد تكون حرباً تركية، فإن النصر في هذه الحرب سيتقرّر بالجواب على السؤال “أين تقف روسيا منها؟”. وبمثل ما كان الرئيس الأسد يدرك أن شل التفكير الأميركي بالتورط بالحرب سيتكفل به حضور وجهوزية سورية وقوى المقاومة وإيران لجعل كل مواجهة مع أميركا تهديداً لأمن “إسرائيل” ووجودها، كان واضحاً لديه أن نهاية الأطماع التركية تتوقف على مدى وضوح حتمية تحوّلها إلى مشروع مواجهة مع روسيا. وعلى هذه الثنائية بُنيت الاستراتيجية التي خاض الأسد صموده وصبره بانتظار تبلورها، وبني السعي لتحقيق النصر على ضبط الإيقاع السياسي والعسكري بما يساعد في إنضاج شروطها.

خلال معارك حلب، ومن بعدها الجنوب السوري، وبينهما الغوطة ودير الزور، كانت تتحقق معادلات الأسد وتتبلور بوضوح، لكن الأكيد كان أن معركة إدلب ستبقى مختلفة، وستكون هي الفاصلة، ولذلك بُنيت خطط تحرير إدلب وحساباتها، وتوقيتها والموقف من المبادرات السياسية بخصوصها على السعي السوري للتطابق مع الحسابات الروسية والتوقيت الروسي والقراءة الروسية والمهل الروسية، حتى جاءت ساعة الصفر وصار على أردوغان أن يقرر ويختار بين مواجهة مباشرة مع روسيا، بينما الجيش السوري جاهز معنوياً وعسكرياً لخوض غمار مواجهة ترفعه لمقام الجيوش الأولى في العالم، أو بين أن يرتضي الهزيمة لمشروعه وهو يدرك أنها نهايته السياسية. ومهما كان خيار أردوغان فهو اليوم يتلمّس أن لا ناتو ولا سواه جاهز للقتال لأن الحرب لم تعد حرب أحد سواه، وأن الشعب والجيش في تركيا لا يرون سبباً للتورط في مواجهة مكلفة بلا قضية، وأن الجيش والشعب في سورية يتوقان لهذه الحرب مع إدراك ما فيها من تضحيات، وأن روسيا سئمت المراوغة والأكاذيب والتذاكي واللعب على الحبال والتلاعب بالكلام والتفاهمات، وأن ساعة الحقيقة قد حانت.

– كمين استراتيجيّ، مَن نصبه لمَن؟

يقول دبلوماسي روسي مخضرم إن دور الدبلوماسية قراءة الجوانب التي لا يقرأها الآخرون في الأحداث، لأنها تنبئ بما لا تكشفه الوجهة الطاغية على الحدث، فعندما وقع الاتفاق النووي بين مجموعة الخمسة زائداً واحداً مع إيران، وكان الناس يستقرئون النتائج السياسية والاستراتيجية والاقتصادية المتوقعة، فيما كانت الدبلوماسية المحترفة وذات الخبرة في أي بلد في العالم، معنية باستكشاف تعقيدات تطبيق الاتفاق واحتمالات عرقلته وتفخيخه في سياق التنفيذ، وصولاً لتعليقه أو نسفه، وكانت عليها محاولة توقع السيناريوات المحتملة. ويضيف الدبلوماسي الروسي المخضرم، أنه مع التعقيد الذي يواجهه الاتفاق منذ سنتين، وصولاً لخطر السقوط، من واجب الدبلوماسية أن تطرح السؤال حول أسباب صمود الاتفاق حتى الآن؟

Read more: ثبات الاتفاق النوويّ مؤشر على ما هو أبعد بكثير: ناصر قنديل